خرج على القداح عملوا به ، وكان بعض المنافقين أراد التّحاكم إلى الوثن ، ولم يرض بالتّحاكم إلى النبيّصلىاللهعليهوآله.
وقيل : إنّه أسلم ناس من اليهود ونافق بعضهم ، وكانت قريظة والنّضير في الجاهليّة إذا قتل قرظيّ نضيريّا قتل به ، واخذ دمه (١) مائة وسق من تمر ، وإذا قتل نضيريّ قرظيّا لم يقتل به ، لكن اعطي دمه (٢) ستّين وسقا من تمر.
وكان بنو النّضير أشرف ، وهم حلفاء الأوس ، وقريظة حلفاء الخزرج ، فلمّا هاجر الرّسول صلىاللهعليهوآله إلى المدينة قتل نضيريّ قرظيّا ، فاختصما فيه ، فقالت بنو النّضير : لا قصاص علينا ، إنّما علينا ستّون وسقا من تمر ، على ما اصطلحنا عليه من قبل. وقالت الخزرج : هذا حكم الجاهليّة ، ونحن وأنتم اليوم إخوة ، وديننا واحد ، ولا فضل بيننا ، فأبى بنو النّضير ذلك.
فقال المنافقون : انطلقوا إلى أبي بردة الكاهن الأسلمي ، وقال المسلمون : بل إلى رسول الله ، فأبى المنافقون وانطلقوا إلى الكاهن ليحكم بينهم ، فأنزل الله هذه الآية ، ودعا الرّسول صلىاللهعليهوآله الكاهن إلى الإسلام فأسلم (٣) .
﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ
عَنْكَ صُدُوداً (٦١)﴾
ثمّ بيّن الله تعالى سوء فعلهم بعد بيان سوء إرادتهم بقوله : ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ﴾ نصحا : ﴿تَعالَوْا﴾ وجيئوا ﴿إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ﴾ في كتابه من الحكم ﴿وَإِلَى﴾ حكم ﴿الرَّسُولِ﴾ وأمره ﴿رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ﴾ ويمنعون من التّحاكم إليك ﴿صُدُوداً﴾ ومنعا أكيدا ، أو يعرضون عنك إعراضا شديدا ، لشدّة عداوتهم لدينك ، ولعلمهم بأنّك لا تحكم إلّا بمرّ الحقّ ، ولا تقبل الرّشوة.
﴿فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ
أَرَدْنا إِلاَّ إِحْساناً وَتَوْفِيقاً (٦٢)﴾
ثمّ أوعدهم بالعقاب على نفرتهم عن الحضور عند الرّسول ، وامتناعهم من التّحاكم إليه ، بقوله :
﴿فَكَيْفَ﴾ يكون حالهم ﴿إِذا أَصابَتْهُمْ﴾ ونالتهم ﴿مُصِيبَةٌ﴾ وعقوبة عظيمة ، وبليّة شديدة ﴿بِما
__________________
(١) في تفسير الرازي : وأخذ منه دية.
(٢) في تفسير الرازي : ديته.
(٣) تفسير الرازي ١٠ : ١٥٤.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
