في استدلال الفخر بالآية على حجية القياس وردّه
ثمّ استدلّ الفخر الرازي بقوله : ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ على حجيّة القياس ؛ بتقريب أنّ المراد من التّنازع والرّدّ في صورة ليس الحكم منصوصا في الكتاب والسّنّة ، وإلّا كان داخلا تحت قوله : ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ فيكون الأمر بالرّدّ تكرارا له ، فيكون معنى الرّدّ في تلك الصّورة ردّ حكمه إلى الأحكام المنصوصة في الوقائع المشابهة له ، وهو القياس (١) .
أقول : هذا ملخّص ما أطنبه من الكلام في المقام ، وهو في غاية الفساد ، لوضوح عدم صدق الرّدّ إلى الكتاب والسّنّة على القياس ، بل هو ردّ إلى الحكم العقليّ الظّنّي. ومن المعلوم أنّ دين الله لا يصاب بالعقول الضّعيفة الكاسدة ، والأهواء الزّائغة الفاسدة ، بل في الأمر بالرّجوع إلى القياس في مورد الاختلاف إدامة النّزاع لا رفعه.
وأمّا قوله بأنّ الأمر بالرّدّ ، على تقدير كون الحكم منصوصا في الكتاب والسّنّة ، يكون تكرارا لقوله : ﴿أَطِيعُوا اللهَ﴾ . ففيه : - مع أنّ التّأكيد هنا في غاية الحسن ، لكون التّنازع موجبا لهيجان النّفوس إلى الأغراض الفاسدة ، وشدّة اهتمام المتنازعين في اتّباع الأهواء الفاسدة ، ونبذ الكتاب والسّنّة وراء الأظهر ، ولدفع توهّم اختصاص أحكام الكتاب والسّنّة بغير مورد التّنازّع ، واحتمال تغيير المصالح - أنّ الأمر في المقام أمر بالدّقّة في تطبيق الواقعة الجزئيّة على الأحكام الكلّيّة.
﴿أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ
يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ
أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً (٦٠)﴾
ثمّ وبّخ الله سبحانه المنافقين الّذين لم يصغوا إلى الرّسول ولم يرضوا بحكمه بقوله : ﴿أَ لَمْ تَرَ﴾ يا محمّد ﴿إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ ويقولون كذبا ﴿أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ من القرآن والأحكام ﴿وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ من سائر الكتب السّماويّة ، وهم مع ذلك الزّعم والادّعاء ﴿يُرِيدُونَ﴾ في ما وقع بينهم من التّنازع ﴿أَنْ يَتَحاكَمُوا﴾ ويترافعوا ﴿إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ والأصنام والكفّار الآخذين للرّشوة ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ﴾ المغوي ﴿أَنْ يُضِلَّهُمْ﴾ عن صراط الحقّ ﴿ضَلالاً بَعِيداً﴾ عنه ، بحيث لا يرجى منهم الهداية أبدا.
قيل : كان المشركون يتحاكمون إلى الأوثان ، وكانت طريقتهم أنّهم يضربون بالقداح عند الوثن ، فما
__________________
(١) تفسير الرازي ١٠ : ١٥١.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
