والتّحقيق والأولى في الجمع أنّ العامة خصّوا الآية بالسّكر من الخمر ، وأنكروا شمولها لسكر النّوم لكونه مجازا. فتلك الأخبار الواردة عن المعصومين ناظرة إلى المنع عن تخصيص الآية بالسّكر من الخمر ، وتعميمها بالدّلالة المطابقيّة أو الالتزاميّة والفحوى لجميع أحوال عدم إلتفات الإنسان لما يقول ، ولو كان من جهة غلبة النّوم.
ومعنى قوله عليهالسلام : « نسخها تحريم الخمر » . منع تحريم الخمر عن وجود سكر الخمر للمؤمن ، وانحصار السّكر في السّكر من النّوم. ولعلّ ما ذكرنا كان مراد الشّيخ.
ثمّ ذكر سبحانه الشّرط الآخر لصحّة الصّلاة ، أو للقرب إلى مكانها ، بقوله : ﴿وَلا جُنُباً﴾ في حال من الأحوال ﴿إِلَّا﴾ حال كونكم ﴿عابِرِي سَبِيلٍ﴾ ومجتازين من المسجد ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ من الجنابة.
عن الباقر عليهالسلام ، والقمّي عن الصادق عليهالسلام : « الحائض والجنب لا يدخلان المسجد إلا مجتازين ، فإنّ الله يقول : ﴿وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا ﴾(١) .
وقد صحّح إرادة الأركان المخصوصة من ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾ بقرينة قوله : ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ وإرادة موضع الصّلاة ، وهو المسجد ، بقرينة قوله : ﴿إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ﴾ وهذا الوجه وإن كان خلاف الظّاهر إلّا أنّه لا بدّ منه بعد ثبوت إرادة الحكمين من القضيّتين بدلالة الرّوايات المعتبرة.
ثمّ ذكر حكم تعذّر الطّهارة المائيّة بقوله : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ﴾ في حال الجناية ﴿مَرْضى﴾ يضرّكم استعمال الماء والاغتسال ﴿أَوْ﴾ كنتم ﴿عَلى سَفَرٍ﴾ ومتلبّسين به ، في طريق لا يوجد فيه الماء ﴿أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ﴾ والمكان المنخفض من الأرض ، كنّي به عن الحدث ، لغلبة وقوعه فيه ﴿أَوْ لامَسْتُمُ﴾ وباشرتم ﴿النِّساءَ﴾ بالجماع قبلا أو دبرا ، كما في المستفيض من الأخبار ﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾ بعد الحدث الأصغر أو الأكبر ﴿ماءً﴾ كافيا للوضوء أو الغسل ، أو لم تتمكّنوا من استعماله للضّرر أو الحرج ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ وتعمّدوا ﴿صَعِيداً طَيِّباً﴾ وأرضا طاهرة.
في بيان معنى الصّعيد
عن الصادق عليهالسلام : « الصّعيد : الموضع المرتفع ، والطّيّب : الذي ينحدر منه الماء » (٢) .
أقول : قال الفاضل المقداد ، في ( آيات الأحكام ) ، في تفسير الآية : واقصدوا شيئا من وجه الأرض - إلى أن قال - : ولذلك قال أصحابنا : لو ضرب المتيمّم يده على حجر صلب ومسح أجزأه ، وبه قال أبو حنيفة ... إلى آخره (٣) .
وعن الزّجّاج أنّه قال : الصّعيد : وجه الأرض ؛ ترابا [ كان ] أو غيره (٤) ، ولا أعلم خلافا بين أهل اللّغة (٥) .
__________________
(١) تفسير القمي ١ : ١٣٩ ، تفسير العياشي ١ : ٣٩٩ / ٩٨١ ، علل الشرائع : ٢٨٨ / ١ ، تفسير الصافي ١ : ٤١٩.
(٢) معاني الأخبار : ٢٨٣ / ١ ، تفسير الصافي ١ : ٤٢٠.
(٣) كنز العرفان ١ : ٢٦ / ٩.
(٤) مجمع البيان ٣ : ٨٠.
(٥) مجمع البيان ٣ : ٨٢.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
