وقال الفخر الرازي : الصّعيد الطّيّب : هو الأرض التي لا سبخة فيها (١) .
وقال البيضاوي ، في تفسير الآية : فتعمّدوا شيئا من وجه الأرض [ طاهرا ](٢) .
والحاصل : أنّه لا شبهة في أنّ لفظ الصّعيد في اللّغة : مطلق وجه الأرض ، وعليه جلّ اللّغويّين وأكثر المفسّرين ، وأنّه قد يستعمل في خصوص التّراب إما مجازا وإمّا من باب إطلاق الكلّي على الفرد.
وعليه يحمل كلام بعض اللّغويّين ممّن قال إنّه التّراب ، لوضوح أن مقصود اللّغوي بيان مورد الاستعمال ، لا خصوص المعنى الموضوع له اللّفظ ، ولذا نقل ذلك البعض استعماله في مطلق وجه الأرض أيضا ، كما لا ريب أنّه المراد من قوله تعالى : ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً﴾(٣) ومن قوله تعالى : ﴿وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً﴾(٤) . وعليه جميع المفسّرين ، وإنّما فسّره بعضهم بالتّراب في الآية بتوهّم كون كلمة ( منه ) في آية المائدة (٥) قرينة على إرادة التّراب منه في الآية (٦) . وهو ممنوع للإجماع على جواز التّيمّم بالرّمل والحجر والمدر وسائر أجزاء الأرض عند فقد التّراب. وكلمة ( منه ) - على فرض إرادة التّبعيض منها - تدلّ على اعتبار العلوق (٧) ، ولا يلزم منه إرادة التّراب (٨) ، لإمكان كون العلوق من غيره.
وليس في أغلب أخبار بيان التّيمّم إلّا لفظ الأرض ، وما في قليل منها من لفظ التّراب لا مفهوم له يوجب تقييد مطلقات لفظ الأرض.
وأما الأخبار الامتنانية ، فما هو الثّابت من طريق أصحابنا فهو قوله صلىاللهعليهوآله : « جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا » (٩) وأمّا ما روي من قوله : « جعلت لي الأرض مسجدا ، وترابها طهورا » (١٠) فلم تثبت صحّته ، مع وضوح بطلان مضمونه ، لما ذكرنا من اتّفاق النّصوص والفتاوى على جواز التّيمّم بغير التّراب عند فقده ، فالأرض جميعها طهور ، لا خصوص ترابها ، إنّما الكلام في الترتيب بينه وبين غيره من أجزاء الأرض وعدمه ، نعم لو كان قوله : « وترابها طهورا » صحيحا من حيث السّند ، أو مقبولا عند الأصحاب ، حملناه على صورة وجدانه ، والأخبار المطلقة على صورة فقده.
ثمّ بيّن سبحانه كيفيّة التّيمّم بقوله : ﴿فَامْسَحُوا﴾ بباطن كفّيكم ، بعد ضربهما على الأرض مرّة ﴿بِوُجُوهِكُمْ﴾ من قصاص الشّعر إلى طرف الأنف ﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾ من الزّند إلى رؤوس الأصابع ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً﴾ .
__________________
(١) تفسير الرازي ١٠ : ١١٤.
(٢) تفسير البيضاوي ١ : ٢١٧.
(٣) الكهف : ١٨ / ٤٠.
(٤) الكهف : ١٨ / ٨.
(٥) المائدة : ٥ / ٦.
(٦) تفسير الرازي ١٠ : ١١٤.
(٧) العلوق : ما يعلّق باليد من التراب وغيره ، بعد الضرب عند التيمّم.
(٨) زاد في النسخة : منه.
(٩) أمالي الطوسي : ٥٧ / ٨١.
(١٠) تفسير الرازي ١٠ : ١١٤.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
