وعلى أيّ تقدير ، تدلّ الآية على أنّ المنفق رياء والبخلاء الّذين لا ينفقون بشيء متشاركون في الذّم والعقاب لاشتراكهم في ترك الإنفاق في ما ينبغي وكما ينبغي.
﴿وَما ذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللهُ وَكانَ اللهُ بِهِمْ
عَلِيماً (٣٩)﴾
ثمّ لام الله سبحانه كلا الفريقين على ترك الإيمان والإنفاق لوجه الله وفي سبيله الذي فيه نفع عظيم ، وفي تركه ضرر كثير ، بقوله : ﴿وَما ذا عَلَيْهِمْ﴾ من الضّرر المتصوّر ﴿لَوْ﴾ أنّهم ﴿آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ مع وضوح دلائل التّوحيد والمعاد ﴿وَأَنْفَقُوا﴾ في سبيل الله شيئا ﴿مِمَّا رَزَقَهُمُ اللهُ﴾ من المال مع كثرة منافعه ، وعدم تصوّر الضّرر فيه. وفيه غاية الحثّ والتّحريض إليهما.
ثمّ هدّد سبحانه على تركهما بقوله : ﴿وَكانَ اللهُ بِهِمْ﴾ وبأخلاقهم وأعمالهم الظّاهرة والخفيّة ﴿عَلِيماً﴾ ومن الواضح أنّ الاعتقاد بأنّ الله القادر ، المنتقم ، الشّديد العقاب ، مطلّع على ظاهره وباطنه من أقوى الرّوادع عن الكفر والعصيان والنّفاق والرّياء.
﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً
عَظِيماً (٤٠)﴾
ثمّ بالغ سبحانه في ترغيب النّاس إلى الإيمان والإنفاق في سبيله بقوله : ﴿إِنَّ اللهَ﴾ تعالى ﴿لا يَظْلِمُ﴾ أحدا عمل عملا بزيادة عقاب ، أو بنقص ثواب ﴿مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ وبقدر نملة صغيرة لاستحالة صدور الظّلم منه ، مع كمال حكمته ، وعدم حاجته. وفيه مبالغة في تنزيه ساحته عن الظّلم.
ثمّ أعلن عن سعة رحمته وعظمة فضله بقوله : ﴿وَإِنْ تَكُ﴾ زنة الذّرّة ﴿حَسَنَةً﴾ وفعلة خير ﴿يُضاعِفْها﴾ الله بإضعاف ثوابها ﴿وَيُؤْتِ﴾ صاحبها ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ ومن خزائن رحمته ، زائدا على ما يستحقّه في مقابل عمله ﴿أَجْراً عَظِيماً﴾ وثوابا جسيما لا يعرف أحد عظمة هذا الفضل وجسامته.
وفي توصيفه بالعظمة دلالة على أنّه أضعاف الدّنيا وما فيها ، حيث إنّه وصف الدّنيا وما فيها في كتابه بالمتاع القليل.
﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (٤١)﴾
ثمّ أنّه تعالى - بعد تهديد الكفّار والمنافقين والبخلاء والمنفقين رياء بعلمه بسرائرهم وبواطن امورهم ، وتعذيبهم من غير ظلم - هدّدهم بأنّه يقطع عذرهم ، ويتمّ عليهم الحجّة ، مضافا إلى علمه
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
