الثانية : هذا الحكم - أعني : الميراث بالمعاهدة والمعاقدة ، وهو المسمّى بضمان الجريرة - منسوخ عند الشّافعي مطلقا ، وقال : لا إرث به ، وعند أصحابنا ليس كذلك ، بل هو ثابت عند عدم الوارث النّسبي والسّببي لما روي عن النبيّ صلىاللهعليهوآله ، أنّه خطب يوم الفتح فقال : « ما كان من حلف في الجاهليّة فتمسّكوا به ، فإنّه لم يزده الإسلام إلّا شدّة ، ولا تحدثوا حلفا في الإسلام » .
إلى أن قال الفاضل : على ما قلناه من بقاء حكم الإرث بالتّعاهد ، فتكون الآية غير منسوخة جملة ، بل تكون محكمة ، لكن الإرث فيها مجمل مفتقر إلى شرائط ومخصّصات تعلم من موضع آخر من الكتاب ، أو من السّنّة الشّريفة.
وقال بعضهم : المعاقدة هنا هي المصاهرة ، فيكون إشارة إلى إرث الزّوجين ، واختاره المعاصر (١) ، وفيه بعد ؛ لأنّه عدول عن الظّاهر ، وعن قول الأكثر ، انتهى (٢) .
وقد سبق في طرفة من الطّرائف بعض التّحقيق في ذلك (٣) .
وقيل : إنّ المراد من قوله تعالى : ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ النّصرة والنّصيحة ، والمصافاة في العشرة ، والمخالصة في المخالطة ، لا التّوارث.
ثمّ وعد سبحانه المطيعين بالثّواب والعاصين بالعقاب بقوله : ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من الجزئيّات والكلّيات وجميع أعمال العباد ﴿شَهِيداً﴾ وخبيرا يجازيهم على حسب أعمالهم إنّ خيرا فخيرا ، وإن شرّا فشرّا.
﴿الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ
أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللهُ وَاللاَّتِي تَخافُونَ
نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا
تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً (٣٤)﴾
في بيان فضل الرجال على النساء
ثمّ لمّا كان شأن نزول آية : ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ﴾(٤) - على ما ورد في بعض الرّوايات - في ردع النّساء عن التّكلّم في تفضيل الرّجال على النّساء في الميراث ، وتمنّيهنّ المساواة لهم في النّصيب ، أشار سبحانه إلى وجه
__________________
(١) مراد الفاضل المقداد من ( المعاصر ) هو ابن المتّوج ، وهو فخر الدين أحمد بن عبد الله بن سعيد بن المتّوج البحراني صاحب كتاب ( النهاية في تفسير الخمسمائة آية ) . الذريعة ٢٤ : ٤٠٢ / ٢١٣٧.
(٢) كنز العرفان ٢ : ٣٢٤.
(٣) راجع : الطرفة (٢٠) .
(٤) النساء : ٤ / ٣٢.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
