﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً
كَرِيماً (٣١)﴾
ثمّ بالغ سبحانه في إظهار رحمته ورأفته بالمؤمنين ، وترغيبه في الطّاعة بقوله : ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا﴾ وتحترزوا ﴿كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ من القبائح ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ﴾ ونغفر لكم ﴿سَيِّئاتِكُمْ﴾ الصّغيرة ، وذنوبكم الحقيرة ﴿وَنُدْخِلْكُمْ﴾ في الآخرة ﴿مُدْخَلاً﴾ ومنزلا ﴿كَرِيماً﴾ وحسنا مرضيّا.
قيل : إنّ المراد : إدخالا مع كرامة (١) .
في بيان الكبائر وعددها
عن الباقر عليهالسلام ، أنّه سئل عن الكبائر ، فقال : « كلّ ما أوعد الله عليه النّار » (٢) .
وعن الصادق عليهالسلام : « الكبائر التي أوجب الله عليها النّار » (٣) .
وعنه عليهالسلام ، في هذه الآية : « من أجتنب ما أوعد الله عليه النّار ، إذا كان مؤمنا ، كفّر الله عنه سيّئاته ويدخله مدخلا كريما ، والكبائر السّبع الموجبات : قتل النّفس الحرام ، وعقوق الوالدين ، وأكل الرّبا ، والتّعرّب بعد الهجرة ، وقذف المحصنة ، وأكل مال اليتيم ، والفرار من الزّحف » (٤) .
أقول : لا شبهة في وجود المعصية الصّغيرة ، وبطلان ادّعاء أنّ جميع المعاصي كبائر ، لظهور الكتاب ، وصراحة كثير من الأخبار في وجود القسمين للمعاصي.
وما عن ابن عبّاس رضى الله عنه : - من أنّ كلّ ما عصي الله فيه فهو كبيرة ، فمن عمل منها شيئا فليستغفر الله (٥) - فمحمول على إرادة وجوب احتراز العبد عن جميع المعاصي ، والاستغفار منه إذا ارتكب شيئا منها ، ولا يجوز له التّهاون بها.
ثمّ لا ريب أنّ جميع الكبائر ليست على حدّ واحد ، بل بعضها أكبر من بعض ، لوضوح أنّ قتل النّفس أكبر من أكل مال اليتيم ، ولعلّ أكل مال اليتيم أكبر من أكل الرّبا ، والفرار من الزّحف أكبر من قذف المحصنة ، إلى غير ذلك.
فالميزان الثّابت بالأخبار للكبائر هو ما أوعد الله عليه النّار ، وإن كان الوعيد بالدّلالة الالتزاميّة ، وما ذكر في الأخبار من عدد الكبائر من السّبع ، فمحمول على بيان أكبر الكبائر.
وهذا القول منقول عن ابن عبّاس أيضا ، واعتراض الفخر الرازي عليه - بأنّ كلّ ذنب متعلّق للذّمّ في العاجل والعقاب في الآجل (٦) ، فلا تبقى صغيرة - شطط من الكلام ، لوضوح عدم ذكر كثير من
__________________
(١) تفسير الصافي ١ : ٤١١.
(٢) تفسير العياشي ١ : ٣٩٣ / ٩٥٧ ، تفسير الصافي ١ : ٤١١.
(٣) الكافي ٢ : ٢١١ / ١ ، تفسير الصافي ١ : ٤١١.
(٤) ثواب الأعمال ١٣٠ ، تفسير الصافي ١ : ٤١١.
(٥) تفسير الرازي ١٠ : ٧٣.
(٦) تفسير الرازي ١٠ : ٧٤.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
