المحرّمات كالاستمناء والقبلة وأمثالهما في القرآن.
﴿وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا
وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ
عَلِيماً (٣٢)﴾
ثمّ - لمّا كان عدم الرّضا بما قسمه الله لخلقه موجبا للحسد ، وأخذ الأموال بالباطل ، وقتل النّفوس المحترمة بغير الحقّ - نهى الله سبحانه عن الطّمع في ما في أيدي النّاس وتمنّيه ، بقوله : ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ من الأموال والأولاد والجاه ممّا يجري التّنافس فيه ، فإنّ ذلك قسمة من الله صادرة عن تدبير لائق بأحوال العباد ، مترتّبة على الإحاطة بجلائل شؤونهم ودقائقها.
فكلّ ما كنتم فاقدين له من الأمور الدّنيويّة وكان غيركم واجدا له ، فلعلّ عدمه خير لكم ، فعلى كلّ أحد من المفضّل والمفضّل عليه أن يرضى بما قسم له ، ولا يتمنّى المفضّل عليه حظّ المفضّل ، ولا يحسده عليه ؛ لأنّه معارضة لحكمة المقدّر ، فإنّ الأنصباء كالأشكال والصّور ، وكما أنّ الأشكال والصّور واختلافهما بمقتضى الحكمة الإلهيّة لا يطّلع على سرّها أحد ، فكذلك الاقسام والأنصباء.
عن الصادق عليهالسلام ، في تفسير الآية : « أي لا يقل أحدكم : ليت ما اعطي فلان من المال والنّعمة والمرأة الحسناء كان لي ، فإنّ ذلك يكون حسدا ، ولكن يجوز أن يقول : اللهمّ أعطني مثله » (١).
أقول : وممّا ينبغي أن يقول : اللهمّ أعطني ما فيه صلاح دنياي وآخرتي ، بل أحسن الأدعية ما علّمه الله عباده في كتابه المجيد من قوله : ﴿رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾(٢) .
وقيل : إنّ وجه النّظم أنّه تعالى بعدما أمر بتطهير الجوارح من أقبح القبائح ، وهو أخذ المال بالباطل ، وقتل النّفس المحترمة ، أمر بتطهير القلب من أرذل الصّفات ، وهو الحسد على ما أعطاه الله غيره ، ليصير الباطن موافقا للظّاهر في الطّهارة من الذّمائم (٣) .
ثمّ علّل سبحانه النّهي عن التّمنّي بقوله : ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ﴾ وحظّ معين لا يتخطّاه ﴿مِمَّا اكْتَسَبُوا﴾ بأعمالهم وصلاح حالهم ، من النّعم الدّنيوية والاخرويّة ﴿وَلِلنِّساءِ﴾ أيضا ﴿نَصِيبٌ﴾ وحظّ ﴿مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ فاطلبوا ما تريدون بالأعمال ، لا بالتّمنّي والحسد ﴿وَسْئَلُوا اللهَ﴾ بعضا ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ والتمسوا من جميع ما تحبّونه وتحتاجون إليه من خزائن جوده ورحمته التي لا تنفد ، فإن أعطاكم وأجاب سؤلكم فاشكروه ، وإن منعكم فارضوا بما قسمه لكم ، فإنّه ليس إلّا لعلمه بصلاحكم ﴿إِنَّ اللهَ
__________________
(١) مجمع البيان ٣ : ٦٤ ، تفسير الصافي ١ : ٤١٣.
(٢) البقرة : ٢ / ٢٠١.
(٣) تفسير الرازي ١٠ : ٨٠.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
