والإحسان إليهم بالتأكيد في إيجاب حفظ أموالهم ، والاهتمام في رعاية صلاحهم ، والمبالغة في حسن العشرة معهم ، والتّهديد على تضييع مالهم والإساءة إليهم بالعقوبة بالمثل في الدّنيا ، بقوله : ﴿وَلْيَخْشَ﴾ كافلوا اليتامى ﴿الَّذِينَ﴾ يكون حالهم أنّه ﴿لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ أو خلّفوا من بعد موتهم ﴿ذُرِّيَّةً﴾ وأولادا صغارا ﴿ضِعافاً﴾ لا يقومون إلّا بكافل شفيق ﴿خافُوا﴾ عند وفاتهم ﴿عَلَيْهِمْ﴾ الضّياع والفقر بعدهم ، وعدم الكافل لهم ، أو إساءة الكافل العشرة معهم ، إن ظلموا الأيتام الّذين في حجورهم وفي كفالتهم وضيّعوهم ، وأتلفوا أموالهم ، وأساءوا العشرة معهم ، من أن يفعل بذرّيتهم بعدهم مثل ما فعلوا بهم.
فإذا تبيّن لهم أنّ أثر الإساءة بأيتام الغير ، وتضييع مالهم ، الإساءة بأيتام أنفسهم ، وتضييع حقوقهم ﴿فَلْيَتَّقُوا اللهَ﴾ في تضييع يتامى غيرهم ، وترك الشفقة والرّحمة بذراري إخوانهم المؤمنين.
وحاصل المراد أنّه تعالى حثّ كافلي اليتامى على حفظ مالهم ، وتنزيلهم أنفسهم في حفظ أموالهم والإحسان إليهم ، منزلة كافل يتيم أنفسهم لو فاتوا (١) وخلّفوا لهم مالا. ولا يخفى أنّه من أقوى الدّواعي في الشّفقة بالأيتام.
ثمّ بالغ سبحانه في الوصيّة إلى الأولياء برعاية الأيتام وحسن صحبتهم ، بقوله : ﴿وَلْيَقُولُوا﴾ في مكالمتهم اليتامى ومخاطبتهم ﴿قَوْلاً سَدِيداً﴾ وكلاما صوابا. قيل : هو بأن يكلّموهم باللّطف والتّرحيب ، ويخاطبوهم كما يخاطبون أولادهم من قول : يا بني ، ويا قرّة عيني (٢) .
في ( الكافي ) : عن الصادق عليهالسلام : « من يظلم يتيما سلّط الله عليه من يظلمه ، أو على عقبه ، أو على عقب عقبه » (٣) .
وقيل : إنّ المقصود بالخطاب في الآية الّذين يجلسون عند المريض فيقولون : إنّ ذرّيّتك لا يغنون عنك من الله شيئا فاوص بمالك لفلان ولفلان ، فلا يزالون يأمرونه بالوصيّة للأجانب حتّى لا يبقى من ماله للورثة شيئا ، فقال الله تعالى لهم : كما تكرهون ابتلاء أولادكم بعدكم بالجوع والضّعف والفقر ، فاخشوا الله ، ولا تحملوا المريض على أن يحرم أولاده الضّعفاء من ماله (٤) .
عن النبيّ صلىاللهعليهوآله : « لا يؤمن العبد حتّى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه » (٥) .
وقيل : إنّ المقصود هو من قرب موته ، فنهاه الله عن الإكثار في الوصيّة بماله لئلّا يبقى ورثته
__________________
(١) فاتوا : مضوا ، ويريد هنا ماتوا.
(٢) الكشاف ١ : ٤٧٨ ، تفسير الرازي ٩ : ١٩٩ ، وفيهما : يا بني ، ويا ولدي.
(٣) تفسير العياشي ١ : ٣٧١ / ٨٧٩ ، الكافي ٢ : ٢٥٠ / ١٣ ، تفسير الصافي ١ : ٣٩٣.
(٤ و٥) . تفسير الرازي ٩ : ١٩٨.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
