ثمّ أمر الله نبيّه صلىاللهعليهوآله بردّهم ، بقوله : ﴿قُلْ﴾ يا محمّد ؛ تبكيتا لهم ، وإثباتا لفساد ظنّهم ، وإظهارا لكذبهم : ﴿فَادْرَؤُا﴾ وادفعوا ﴿عَنْ أَنْفُسِكُمُ﴾ بالحيل والتّدابير ﴿الْمَوْتَ﴾ الذي تكرهونه ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في ما ينبئ عنه قولكم ، من أنّ الحذر يدفع القتل عمّن كتب عليه ، ويطيل الأجل المحتوم ، فإذا التزمتم بأنّ الموت ممّا لا يمكن دفعه بالحذر والتّدبير ، لكونه بقضاء الله وإرادته ، فكذلك القتل وخصوصيّاته ، من زمانه ومكانه ، يكون بقضاء الله ، لا ينفع الحذر منه في دفعه ، ولا يفيد الفرار في تأخيره. فكلّ من قتل كان قتله بسبب كونه مكتوبا عليه ، لا بسبب عدم حذره ، وكلّ من لم يقتل لم يكن القتل مكتوبا عليه.
﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ
يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾
ثمّ لمّا كان تحرّز المنافقين عن الشّهادة مبنيّا على حسبان أنّ القتل موت ، وانقطاع حياة ، وحرمان من النّعم واللّذائذ ، ردّهم الله سبحانه بقوله : ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ ونالوا الشّهادة في طريق مرضاته وطاعته ، من الجهاد وغيره ، كشهداء احد ، ولا تظنّهم ﴿أَمْواتاً﴾ منقطعين عن الحياة ، محرومين عن النّعم ﴿بَلْ﴾ هم ﴿أَحْياءٌ﴾ بالحياة الأبديّة ، مقرّبون ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ مستغرقون في رحمة مليكهم ﴿يُرْزَقُونَ﴾ من ثمار الجنّة ، ويتنعّمون بالنّعم الدّائمة ، ويتلذّذون بما.
تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين.
فلو فرض أنّ التّدبير يكون مفيدا في دفع القتل ، إلّا أنّ القتل في سبيل الله ممّا يجب على العاقل السّعي في تحصيله ، والمسارعة إليه ، لكثرة فوائده.
وإنّما وجه الخطاب إلى النبيّ صلىاللهعليهوآله ؛ مع أنّ المقصود أمّته ، ونهاه عن الحسبان مع أنّه منزّه عنه ، لشرافته وللإشعار بأنّ التّبشير من وظائفه.
عن الباقر عليهالسلام : « أنّها نزلت في شهداء (١) احد » (٢) .
وروي أنّهم كانوا سبعين ، أربعة من المهاجرين : حمزه بن عبد المطّلب ، ومصعب بن عمير ، وعبد الله بن جحش ، وعثمان بن شهاب ، والبقيّة من الأنصار رضوان الله عليهم (٣) .
وعنه عليهالسلام قال : « أتى رجل رسول الله صلىاللهعليهوآله ، قال : إنّي راغب نشيط في الجهاد ، قال : فجاهد في سبيل
__________________
(١) زاد في تفسير الصافي : بدر و.
(٢) مجمع البيان ٢ : ٨٨١ ، تفسير الصافي ١ : ٣٦٨.
(٣) تفسير أبي السعود ٢ : ١١١ ، تفسير روح البيان ٢ : ١٢٣.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
