والمعنى : فبأيّ رحمة عظيمة من الله عليك ظهر منك هذا الخلق الحسن ! وفي إسناده إلى رحمة الله دلالة على أن جميع الأخلاق الحسنة بإفاضة الله ؛ لأنّها من قبل كمال الوجود المفاض منه تعالى.
روي أنّه صلىاللهعليهوآله اغتمّ لهم بعد أن خالفوه.
وروى الفخر الرازي في تفسيره : أنّ أمرأة عثمان دخلت على رسول الله صلىاللهعليهوآله وهو وعليّ عليهالسلام كانا يغيلان السّلاح ، فقالت : ما فعل ابن عفّان ؟ أما والله ، تجدونه (١) أمام القوم ، فقال لها عليّ عليهالسلام : « ألا إنّ عثمان فضح الزّمان » . فقال صلىاللهعليهوآله : « مه » (٢) .
وفي رواية : قال صلىاللهعليهوآله حينئذ : « أعياني أزواج الأخوات أن يتحابّوا » . ثمّ لمّا دخل عليه عثمان مع صاحبيه ما زاد على أن قال : « لقد ذهبتم فيها عريضة » (٣) .
ثمّ أشار سبحانه إلى مصلحة اللّين ، ومفسدة خلافه بقوله : ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا﴾ في القول والفعل ، جافيا في العشرة ، كريه الخلق مع أصحابك ﴿غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾ وقاسيه ، غير رفيق بهم ولا رحيم ﴿لَانْفَضُّوا﴾ وتفرّقوا ﴿مِنْ حَوْلِكَ﴾ وجوانبك ، ولم يسكنوا إليك ، حتّى تتمّ فائدة الرّسالة ، فإنّ حكمة البعثة هي هداية الخلق ، وتبليغ الشّريعة.
ومن الواضح أنّه لا يتمّ إلّا إذا مالت القلوب إلى الرّسول ، وسكنت النّفوس إليه ، وذلك متوقّف على كون الرّسول عطوفا ، رحيما ، مداريا ، رفيقا ، يتجاوز عن سيّئاتهم ، ويخصّهم بالبرّ والشّفقة والمكرمة ، ولذا قال صلىاللهعليهوآله : « لا حلم أحبّ إلى الله من حلم إمام ورفقه ، ولا جهل أبغض إلى الله من جهل إمام وخرقه » (٤) .
وروي عنه صلىاللهعليهوآله ، قال : « خصلتان لا تجتمعان في مؤمن : البخل ، وسوء الخلق » (٥) .
وقيل : لرسول الله صلىاللهعليهوآله : ما الشّؤم ؟ قال : « سوء الخلق » (٦) .
وعنه صلىاللهعليهوآله ، قال : « ألا أنبّئكم بشرّ النّاس ؟ » قالوا : بلى ، يا رسول الله ، قال : « من نزل وحده ، ومنع رفده ، وضرب عبده » . ثمّ قال : « ألا أنبّئكم بشرّ من ذلك ؟ » قالوا : بلى. قال : « من لم يقل عثرة ، ولم يقبل معذرة » (٧) .
ثمّ اعلم أنّ الله تعالى خصّ عليّ بن أبي طالب عليهالسلام بخلق رسول الله صلىاللهعليهوآله ، حيث كان له من لين الجانب والرّفق بالنّاس ما لم يكن لغيره ، واختصّ عمر بخلافه ، فإنّه كان له من الغلظة والفظاظة
__________________
(١) في المصدر : لا تجدونه.
(٢ و٣) . تفسير الرازي ٩ : ٦١.
(٤) تفسير الرازي ٩ : ٦١.
(٥ و٦) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٦ : ٣٣٧.
(٧) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٦ : ٣٣٨.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
