وسوء الخلق ما لم يكن لأحد.
في نقل كلام لابن أبي الحديد في فظاظة عمر
روى ابن أبي الحديد : عن الزّبير بن بكّار ، أنّ عمر كان إذا غضب على بعض أهله ، لم يسكن غضبه حتّى يعضّ يده عضّا شديدا (١) ، قال : ولقوّة هذا الخلق فيه أضمر عبد الله بن عبّاس في خلافته إبطال القول بالعول (٢) ، وأظهره بعده ، فقيل له : هلا قلت هذا في أيام عمر ؟ فقال : هبته.
وقد ارتدّ جبلة بن الأيهم عن الإسلام لتهديد عمر له ، ووعيده إيّاه أن يضربه بالدّرّة (٣) .
وكفى في شراسة خلق عمر وفظاظتة ، ما ذكره ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة ؛ توجيها لقدح عمر في عليّ عليهالسلام ، بقوله : لكنّه امرؤ فيه دعابة (٤) .
من قوله : واعلم أنّ الرّجل ذا الخلق المخصوص ، لا يرى الفضيلة إلّا في ذلك الخلق ، ألا ترى أنّ الرّجل يبخل فيعتقد أنّ الفضيلة في الإمساك. والبخيل يعيب أهل السّماح والجود ، وينسبهم إلى التّبذير ، وإضاعة الحزم ، وكذلك الرّجل الجواد يعيب البخلاء ، وينسبهم إلى ضيق النّفس ، وسوء الظّنّ ، وحبّ المال. والجبان يعتقد أنّ الفضيلة في الجبن ، ويعيب الشّجاعة ، ويعتقد كونها خرقا وتغريرا بالنّفس ، والشّجاع يعيب الجبان ، وينسبه إلى الضّعف ، ويعتقد أنّ الجبن ذلّ ومهانة. وهكذا القول في جميع الأخلاق والسّجايا المقسّمة بين نوع الإنسان.
ولمّا كان عمر شديد الغلظة ، وعر الجانب ، خشن الملمس ، دائم العبوس ، كان يعتقد أنّ ذاك هو الفضيلة ، وأنّ خلافه نقص ، ولو كان سهلا طلقا مطبوعا على البشاشة وسماحة الخلق ، لكان يعتقد أن ذاك هو الفضيلة وخلافه نقص ، حتّى لو قدّرنا أنّ خلقه حاصل لعليّ عليهالسلام ، وخلق عليّ عليهالسلام حاصل له ، لقال في عليّ عليهالسلام : لو لا شراسة فيه.
فهو غير مطعون (٥) عندي في ما قاله ، ولا منسوب إلى أنّه أراد التّنقيص (٦) من علي عليهالسلام والقدح فيه ، ولكنّه أخبر عن خلقه ظانّا أنّ الخلافة لا تصلح إلّا لشديد الشّكيمة ، العظيم الوعورة ، وبمقتضى ما كان يظنّه من هذا المعنى تمّم خلافة أبي بكر بمشاركته إيّاه في جميع تدبيراته وسياسته وسائر أحواله ، لرفق وسهولة كانت في أخلاق أبي بكر.
وبمقتضى هذا الخلق المتمكّن عنده ، كان يشير على رسول الله صلىاللهعليهوآله في مقامات كثيرة وخطوب
__________________
(١) زاد في المصدر : ٣٤٢ : حتى يدميها.
(٢) العول : أن تزيد السهام في الأرث على المال الموجود.
(٣) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٦ : ٣٤٣ ، والدّرّة : السّوط يضرب به.
(٤) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٦ : ٣٢٦ ، والدّعابة : اللّعب والممازحة.
(٥) في المصدر : غير ملوم.
(٦) في المصدر : الغضّ.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
