بين الاصول اللفظية بعضها مع بعض تماما كما تجري بين الاصول العملية من جهة ، والأدلة الاجتهادية من جهة ثانية. وإلى هذا أشار الإمام بقوله : «ان في أخبارنا محكما كمحكم القرآن ، ومتشابها كمتشابه القرآن ، فردّوا متشابهها إلى محكمها ، ولا تتبعوا متشابهها فتضلوا». وفي رواية ثانية : «انتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا ، وان الكلمة لتنصرف على وجوه ، فلو شاء انسان لصرف كلامه كيف يشاء ولا يكذب».
وبعد أن نقل الأنصاري هاتين الروايتين علق عليهما بقوله : «وفيهما دلالة على وجوب الترجيح بالدلالة». وبعد حوالى أربع صفحات عاد إلى الروايتين وقال ما معناه : ان السائل لم يرجع إلى الإمام ويسأله عن حكم الخبرين المتعارضين وعلاجهما إلا بعد عجزه ويأسه عن الجمع بينهما بطريق مقبول ومعقول. وقال الآشتياني في شرحه لكلام استاذه الانصاري : «لا إشكال ولا خلاف في تقديم المرجح من حيث الدلالة على سائر المرجحات .. إن مصب الترجيح في الأخبار سؤالا وجوابا هو فيما لم يمكن فيه رفع التعارض بين الخبرين بجعل احدهما قرينة على المراد من الآخر بحكم العرف .. ولا يخفى ذلك على من أعطى الأخبار حق النظر».
وإذا تعذر الجمع العرفي الفني التجأنا إلى مرجحات التعارض تماما كما نلجأ إلى التيمم إذا تعذر الوضوء ، فإذا وجدنا لأحد المتعارضين مزية دون الآخر وجب العمل بصاحب المزية ، وإن كان لكل منهما مزية نص عليها الشارع حدث الاصطدام والتعارض بين المزايا نفسها ، وعندها نجري عملية التقديم والتأخير أو التساقط أو التخيير تبعا لنوع المزية وهويتها ، وهي على ثلاثة أنواع :
١ ـ أن تقرب المزية الخبر من الصدق ، وتبعده عن الكذب ، كما لو كان راويه أوثق واضبط من راوي الخبر الآخر. وتسمى هذه من مرجّحات السند والصدور.
٢ ـ أن تكون المزية من الصفات التي تقرب ورود الخبر لبيان الحكم الواقعي لا للاتقاء والخوف من الأعداء بعد الفراغ من ثبوت الخبر وصدوره ، وتسمى هذه بمرجحات جهة الصدور.
٣ ـ أن ترجع المزية إلى المضمون كما لو وافق الخبر القرآن الكريم بمعناه ومحتواه. وتسمى هذه بمرجحات المضمون.
