فإذا كانت المزية الموجودة في أحد الخبرين هي والمزية الموجودة في الآخر من من نوع واحد ومرتبة واحدة ـ فلا مجال للمعارضة والمفاضلة بالاتفاق وحكم البديهة ، لأن الدرجات والمقارنات انما تكون بين مزيتين من نوعين كما لو رجعت احداهما إلى السند والثانية إلى المضمون ـ مثلا ـ لا بين مزيتين ترجعان إلى السند كالأوثق والأضبط. وإن اختلفتا في النوع أمكن التقارن والتفاضل ، ولكن على أي أساس؟ وما هو ضابط التقديم والتأخير؟ وقد تعددت الأقوال في ذلك ، وانهاها بعض المؤلفين إلى أكثر من أربعة ، ولا واحد منها بسليم.
ولعل أرجحها نسبيا القول بأن ما يدعم السند ويقويه يقدّم على ما يرجح جهة صدور السند ، لأنه إذا رجحنا أحد الخبرين على الآخر من حيث السند كان معنى هذا طرح الخبر الثاني المعاكس ، وعليه فلا يبقى للترجيح من موضوع إذ لا بقاء لفرع بلا أصل ، واما الذي ترجح بالمضمون فإنه يقدم على ما ترجح بالسند شريطة أن يكون المضمون موافقا لكتاب الله لأن أعدلية الراوي في الخبر المخالف للكتاب لا تقاوم قطعية سند الكتاب الموافق للخبر الآخر ، وبتعبير الآخر تكون المعارضة في الواقع بين الكتاب والخبر الواحد فيقدم الكتاب.
هذا تلخيص سريع لما دار حول الترجيح بين المرجحات ، وقد بحثت وراجعت بتأمل وامعان أخبار التعارض ، وكتاب الرسائل ، والآشتياني ، وتقريرات درس النائيني ، والكفاية وحاشيتها للحكيم ، وغير ذلك .. ولم يقنعني قول أو يقو في نفسي شيء سوى الظن بأنه لا قاعدة عقلية أو نقلية تدل على ترجيح مزية على مزية من المرجحات المنصوصة عند تعارضها ، ومن هنا تناقضت الأقوال تبعا لتعدد الظنون والأوهام. وعليه فالأفضل أن يترك هذا الترجيح إلى نظر المجتهد واطمئنانه. وعن الشيخ البهائي أنه قال في مسألة الترجيح بين المرجحات : «انها مثنى وثلاث ورباع ، فاتبع منها الأقوى» ، ولازم التقوى. وهذا كلام شعري كما ترى تعميمات ومعميات لا يشير إلى ما نعلم ، ولا يفسر ما نجهل «اقوى وتقوى» وان دل هذا على شيء فإنه يدل على أن مشكلة الترجيح بين المرجحات لا ضابط لها ولا حل إلا ورع المجتهد ورأيه الذاتي الشخصي.
المرجحات غير المنصوصة
لا ريب في وجوب العمل بالمرجحات الأربعة المنصوصة ، وهي : الشهرة ،
