أجلها ، وهذا النوع من الواجب لا تجب المبادرة الى مقدمته قبل الوقت إلا اذا علم المكلف بعجزه عنها في الوقت بحيث اذا تركها قبل الأوان فاته الواجب في أوانه كحفظ الماء للوضوء لعلم اليقين بتعذره في الوقت. والعقل هنا يحكم بحفظ المقدمة والحرص عليها تمهيدا وتأهبا للطاعة والامتثال في حينه ، وعلى هذا العرف وسيرة العقلاء قديما وحديثا ، ومن حكم العقل نستكشف حكم الشرع لقاعدة : كل ما حكم به العقل يحكم به الشرع.
وقد يأمر الشارع بشيء ويحدد له أمدا مضيقا يتسع له وحده دون مقدماته كالصوم من بداية النهار الى نهايته مع الغسل له قبل الفجر ، وهذا الفرض كسابقه يحكم العقل فيه بوجوب المبادرة الى المقدمة قبل الوقت حرصا على امتثال الواجب ، وإن أهمل المكلف وتهاون حتى فات الواجب استحق الذم والعقاب.
ونحن مع الشيخ الأنصاري في ذلك ، ويكفي للتدليل على هذه الحقيقة إقبال العقلاء على شراء السلع بأغلى الأثمان وادخارها لوقت الحاجة اذا خافوا أن تفقد وتختفي من الأسواق. وحق الله سبحانه أولى بالوفاء من كل حق.
وتسأل : على أي شيء يستحق العقاب تارك المقدمة الإعدادية؟ أيستحقه على ترك المقدمة والمفروض ان الوجوب المقدمي لا ثواب على طاعته ، ولا عقاب على معصيته عند كثيرين ، أو يستحق العقاب على ترك الواجب في حينه ، وهو ممتنع بدون مقدمته ، والتكليف به تكليف بما لا يطاق؟.
الجواب :
يعاقب على مخالفة الواجب لا على ترك مقدمته ، أما امتناعه في حينه فقد نشأ من الإعجاز الطارئ لا من العجز الذاتي ، والمكلف هو الذي أعجز نفسه بسوء اختياره حين قصّر وأضاع الفرصة السانحة ، وقاعدة «الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار» من المسلمات الأولية ، فمن أقدم على شرب السم بإرادته ، ثم عجز عن دفع الهلاك فلا يلومن إلا نفسه.
سؤال ثان قال جماعة من الفقهاء لا يجب على المكلف أن يتوضأ قبل وقت الصلاة حتى ولو علم بالعجز عن الماء بعد الوقت ، ويتنافى هذا مع القول بوجوب المبادرة الى المقدمة قبل الوقت حرصا على أداء الواجب في حينه ، فعلى أي القولين نعوّل؟.
