وهذا التفسير لا ينطبق على الواقع أيضا ، لأنّه إذا أخذنا هذا الجانب وهذه الخصوصية في العدد ، فلا شك أنّ هذه العزة والمنعة للدين ـ إذا أريد منها العزّة الظاهرية ـ قد بقيت واستمرت إلى ما بعد انقضاء هذا العدد من الخلفاء ، فمثلا في عصر هارون الرشيد كان الدين في أعزّ وأمنع مراحله وعلو قدرته ، حتى كان يعبّر عنه بالعصر الذهبي (١).
فإذا أردنا أن نحسب الخلفاء من أبي بكر وحتى هارون الرشيد نجد أنّ العدد أكثر من اثني عشر خليفة ، فلا ينطبق هذا التفسير مع الواقع (٢).
التفسير الخامس : هو يفترض العزة ليست عزّة الدين ، وإنّما عزّة القدرة والقوة والمنعة للدولة الإسلامية ، وما كان يتمثل فيه الحكم الإسلامي من سلطة وهيمنة وإمكانات كبيرة ، وهذا التفسير لا ينطبق ـ أيضا ـ على الواقع ، لأن الحالة الإسلامية وإن كانت في طول التاريخ الإسلامي في مدّ وجزر ، من حيث القدرة والقوة والمنعة (٣) ، ولكن إذا أردنا أن نحصي الخلفاء في حالات المدّ لا في حالات
__________________
(١) وقد نسب إلى هارون الرشيد كلام قال فيه وهو ينظر إلى السحاب : اذهبي أينما شئت ، فأينما تمطرين فخراجك لي.
(٢) من المحتمل قويا أنّ جملة «لا يزال هذا الدين عزيزا منيعا» ، قد أضيفت إلى هذه الروايات ؛ لاعطاء تفسير معين لها ، إذ لم ترد هذه الجملة في صحيح البخاري ، كما أنّ النصوص الأخرى التي تذكر كلمة «لا ينقضي» أو «لا يزال هذا الدين قائما» أو التي تطلق عدد الخلفاء دون قيد ، والتي رواها جميع المحدثين ، تعارض هذا النص ، وهي متقدمة عليها بالشهرة والأوثقية ، وهذه الملاحظة تسقط جميع هذه التفاسير التي تعتمد على هذه الخصوصية.
(٣) حيث يلاحظ أنّه في زمان قد يكون المسلمون أقوياء ، ثمّ تتدهور القوة الإسلامية لهم ، كما في آخر الخلافة العباسية ، أو في زمن المغول ، ثمّ يتحول المغول بعد ذلك إلى مسلمين ، فترتفع القدرة والقوة الإسلامية ، ثمّ تدهورت هذه القوة عند ما انقسم المسلمون إلى ملوك وطوائف ، وأصبحوا متوزعين في مختلف المناطق الإسلامية ، ثمّ بعد ذلك رجعت الحالة
