وعالم الغيب يحتاج التصديق به إلى أمر غيبي ، لأنّه قد يشتبه على المدعي ، فقد يقال : إنّه لا يمكن قيام الحجة على هذا الجانب الغيبي إلّا بالمعجزة.
على أنّ التصديق بالأنبياء ـ أيضا ـ يمكن أن يتحقق في كثير من الأحيان حتى من دون هذه المعجزة ، وهذه المعجزة إنّما يلزم وجودها من أجل إقامة الحجة على الناس حتى لا يبقى مجال لأحد من الناس أن يدّعي عدم الإيمان بالله بسبب عدم وضوح الدليل والبرهان ، وإلّا فإنّ الكثير من الناس الذين آمنوا برسول الله صلىاللهعليهوآله وبالأنبياء السابقين له آمنوا بهم قبل قيام المعجزة ، وذلك لأنّه عند ما يأتي شخص كرسول الله صلىاللهعليهوآله ، شخص عرف بين الناس بالصدق والأمانة ، وعاشره الناس طيلة أربعين عاما ، ولم يجدوا في حياته أي نقطة ضعف ، لا في حديثه ، ولا في ما يذكره من حقائق ووقائع ، ولا في أي جانب من سلوكه. مثل هذا الإنسان عند ما يأتي ويخبر الناس بأمر ما ، فإنّ الناس الذين لا يكون في قلوبهم مرض أو لا يتعرضون إلى عملية التضليل والتشكيك والإيهام من قبل الآخرين ، يصدّقون مثل هذا الإنسان ـ عادة ـ ويأخذون منه.
وقد كان رسول الله صلىاللهعليهوآله يستدل بهذا الدليل والمنطق على المشركين ـ أيضا ـ في بداية الأمر لإقناعهم بالرسالة قبل تمامية معجزة القرآن ووضوحها ، لأن معجزة القرآن لم تكن معجزة قد اتضحت في اليوم الأول من دعوى رسول الله صلىاللهعليهوآله ، وإنّما أصبحت معجزة واضحة بعد ذلك ، ولكن رسول الله صلىاللهعليهوآله كان يستدل بهذا المنطق الذي ذكرته على الناس ، فقد كان يقف على جبل أبي قبيس ويخاطب المشركين في بداية إعلانه للرسالة الإسلامية ويقول لهم : لو أنّي أخبرتكم أنّ وراء هذا الجبل قافلة متوجهة إلى مكة ، فهل كنتم تصدقوني بذلك وتخرجون لاستقبالها؟ وكانوا يجيبون : نعم ، لأنّهم كانوا يعرفونه بأنّه صادق أمين ، ولا يوجد
