ويبدو من هذه الآيات الكريمة أنّ الهداية ليست مجرد الموعظة والإرشاد وبيان الحقائق الإلهية ، (بل هي الهداية التي تقع بأمر الله تعالى ، وهذا الأمر هو الذي بيّن حقيقته في قوله تعالى : (إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ* فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (١)) (٢). ولعله بذلك كانت هذه الإمامة مجعولة من قبل الله تعالى (... إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً ...) (٣).
الثاني : أنّ الإمامة عهد إلهي إلى عباده الصالحين ، كما تصرح بذلك الآية الكريمة : (... قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) ، ويفهم ذلك من قوله تعالى : (... إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً ...) ، والسر في ذلك ما أشرنا إليه من أنها هداية بأمر الله تعالى.
ولذلك لا بد أن نفترض فيها جانبا من الاصطفاء والاجتباء من ناحية ، كما تشير إليه الآيات الكريمة التي تحدثت عن الاصطفاء ، مثل قوله تعالى : (إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ* ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (٤).
كما افترضنا فيها ـ في الوقت نفسه ـ درجة خاصة من الهداية العملية ، بحيث تكون هداية بأمر الله تعالى ، لا بأمر الإنسان ومبادراته واجتهاداته وفهمه للدين ، من خلال الاكتساب للعلم والتفقه في الدين وقيامه بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الثالث : أنّ الإمام لا يمكن أن يكون ظالما ، كما تصرح بذلك الآية الكريمة : (... لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) ، ولا بد أن يكون انتفاء الظلم عن الإمام بدرجة عالية
__________________
(١) يس : ٨٢ ـ ٨٣.
(٢) الميزان ١ : ٢٧٢.
(٣) البقرة : ١٢٤.
(٤) آل عمران : ٣٣ ـ ٣٤.
