الأقوال وأنت بعد التأمّل فيها تجد فيها ما هو أوضح الإشكالات : أمّا ما في الأوّل منها فقد عرفت من أنّه لا يمكن الالتزام به حتّى على القول بالجواز. وأمّا ما في الثّاني ففيه أنّه لا يخلو عن محذور لزوم وجوب الغصب المحرّم فإنّ الخروج غصب أو تصرّف في مال الغير بغير إذنه فكيف يكون واجبا من دون كونه حراما؟ وأمّا في الثالث ففيه أنّ عناوين الدّخول والخروج والبقاء كلّها ممّا لا عين ولا أثر له في لسان الأدلّة الشرعيّة كي يبحث فيه بأنّه غير مقدور أو لا ويردّ عليه كما عن المحقّق الخراسانيّ بأنّ المقدور بالواسطة مقدور ، بل الوارد في الدّليل هو الغصب الذي هو الاستيلاء على سلطان الغير أو التصرّف في مال الغير بغير إذنه وهذه الطّبيعة على وجه الحيثيّة الإطلاقيّة هي المحرّمة في لسان الشرع وصدقها على أفرادها على حدّ سواء من فرق بين الخروج والدخول ، فهذا الكلام والإشكال عليه كلاهما في غير محلّه. وأمّا ما في الرّابع ففيه أنّ التخلّص الذي هو ترك الزائد ليس إلّا نقيض الغصب المحرّم فالبعث إلى نقيض الغصب المحرّم إنّما هو بعين الزّجر عن نفس المحرّم ويتّحد معه بنحو من أنحاء الاتّحادات ، كما قلنا في مسألة الضدّ العامّ ، فليس التخلّص واجبا قبال حرمة الغصب بل إنّما هو واجب بعين حرمة الغصب الزائد وبهذا يخرج عن فرض الترتّب حيث إنّ اللّازم في فرض الترتّب هو وجود الحكمين المتضادّين المتزاحمين يكون أحدهما أهمّ من الآخر ويشترط المهم بعصيان الأمر وأمّا ما أفاده المحقّق الأستاذ رحمهالله من كون الخروج منهيّا عنه لا بالنّهي الفعليّ بل بالنّهي السابق الساقط ففيه ما لا يخفى فإنّ النّهي إذا سقط عن حدّ الفعليّة فلا معنى للعصيان لأنّه متفرّع على فعليّة النهي ومجرّد كون الاضطرار بسوء الاختيار لا يوجب العصيان مع فرض عدم فعليّة النّهي.
والحقّ أنّ ما هو المتعلّق للنّهي هو الحرام وهو التصرّف في مال الغير بغير إذنه من غير فرق في لسان الدليل بين التّصرف الدّخولي أو الخروجي إذ كلاهما فردان من العنوان المحرّم من دون فرق بينهما في نظر العقل لأنّ الطبيعة بالقياس إلى الأفراد متساوية الأقدام. نعم ، يحكم العقل عند دوران الأمر بين التصرّف الطويل والقصير بتعيّن الفرد القصير كما عرفت
![الحجّة في الفقه [ ج ١ ] الحجّة في الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4379_alhojatu-fi-alfiqh%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)