بظاهرها ممّا تعلّقت الإرادة بها بنفسها إلّا أنّها بعد التّدقيق إنّما هي لجعل الشّرطيّة وبيان الحكم الوضعيّ ، فإنّه قد يتوّهم إمكان الصّلاة بلا طهارة فدفعا لهذا التّوهّم قد أمر الشّارع إليها فأخذ في بيان قيديّتها تلك الأوامر الغيريّة.
هذا كلّه في أصل تصوير الغيريّ والنّفسيّ والأصليّ والتّبعيّ.
وأمّا مسألة العقاب والثّواب فاختلف الآراء بين المتكلّمين في أنّ المثوبات الّتي تكون في الواجبات والمستحبّات وترك المحرّمات والمكروهات هل هي بصرف التّفضّل منه سبحانه وتعالى أو أنّ العقل يحكم باستحقاق العبد للمثوبة بحيث يعدّ عدم إعطاء المثوبة إليه قبيحا عليه؟ تعالى عن ذلك علوّا كبيرا.
والقائلون بالثّواب الاستحقاقيّ استدلّوا على مرامهم بأنّ تحميل المشاقّ والرّياضات على الغير بلا أجرة قبيح عقلا ، ولا شكّ أنّ إطاعة المولى يستلزم تحمّل المشاقّ والرّياضات على العبد فلا بدّ من جبرانها بالأجر والثّواب. ولا يخفى ما فيه من الوهن.
فإنّه مضافا إلى أنّ العبد وجوده وجميع ما له من القوى والمدارك والأفعال والحركات والسّكنات كلّها مملوكة لله تعالى بالملكيّة الحقيقيّة القيّوميّة وفي مثل ذلك لا معنى لفرض الاستحقاق أصلا ، أنّ أوامره تعالى ونواهيه كلّها ألطاف عقليّة وجعلها إنّها هو لإصلاح حال العبيد وتزكية نفوسهم وتهذيب أخلاقهم وانتظام أفعالهم وأمورهم وإيصالهم إلى مدارج الكمالات والمعارج الرّوحانيّة ولأجل حفظ النّظام الّذي يرجع بالاخرة نفعه إليهم نوعيّا كان النّفع أو شخصيّا. وبالجملة ليس في أوامره ونواهيه نفع راجع إليه تعالى بل المنافع ترجع إلى العباد أنفسهم وإنّما أوامره ونواهيه كأوامر الطّبيب ونواهيه فهى لمحض إصلاح حال المريض أو من هو في أهبة المرض ، فهل يجوز عند العقل أن يرجع إلى الطّبيب ويطالبه بالأجر على تحمّل إطاعة أوامره ونواهيه من شرب الأدوية وتحمّل المشاقّ فيقول للطّبيب احتجاجا عليه إنّ تحميل المشقّة على الغير بلا أجرة قبيح؟ ولعمري إنّ هذا أوضح من أن يخفى.
![الحجّة في الفقه [ ج ١ ] الحجّة في الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4379_alhojatu-fi-alfiqh%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)