الكلام في الواجب الأصليّ والتّبعيّ
وينقسم الواجب باعتبار آخر إلى الأصليّ والتّبعيّ. قال المحقّق القميّ (قده) على ما هو ببالنا : إنّ الدّليل إذا دلّ على وجوب شىء فإن كان هذا الشّيء هو المقصود بإفهامه من الدّليل فهو الواجب الأصليّ وإن كان من لوازم ما يكون هو المقصود بإفهامه فهو الواجب التّبعيّ. فبناء على هذا التّقرير يكون تقسيم الواجب إلى الأصليّ والتّبعيّ باعتبار مقام الإثبات والدّلالة لا مقام الثّبوت والواقع.
وبعبارة أخرى الأصليّ ما يكون المتكلّم قاصدا لإفهامه والتّبعيّ بخلافه مثل دلالة الإشارة كأقلّ الحمل المفهوم من قوله تعالى «والوالدات يرضعن أولادهنّ حولين كاملين» وقوله تعالى «وحمله وفصاله ثلاثون شهرا» فإنّ دلالتهما على أقلّ الحمل بدلالة الإشارة ولا يكون مقصودا بالإفهام والتّبعيّ أيضا كذلك.
هذا ، ولكنّك خبير بما في هذا الكلام من الإشكال الواضح فإنّ الوجوب من مقولة الإنشاء والإنشاء ـ حسب ما عرفت سابقا ـ هو طلب عمل اللّفظ في المعنى عملا إيجاديّا بالقصد فلا بدّ وأن يكون المعنى الّذي يقصد إيجاده في وعاء الاعتبار مقصودا بالإفهام وإلّا فكيف يمكن إيجاد ما لا يكون مقصودا؟ فعلى هذا ما لا يكون مقصودا لا يمكن أن يكون منشأ وجوبا كان أو ندبا أو كلّ ما يكون من قبيل الإيجاديّات. فالواجب التّبعيّ بهذا المعنى ممّا لا محصّل له بل ممّا لا يمكن وجوده ، اللهم إلّا أن يكون التّقسيم باعتبار مقام الثبوت والواقع كما فرضه وبنى عليه الشّيخ (رحمهالله) إلّا أنّه لا يتصوّر معنى له إلّا بمعنى الواجب الغيرىّ.
فيكون انقسام الوجوب بالأصليّ والتّبعيّ عين انقسامه بالنّفسيّ والغيريّ. وما قد يقال إنّ الواجب الغيرىّ قد يكون أصليّا مثل المقدّمات الّتي تكون موردا للإرادة والطلب نظير الطّهارات الثّلاث وقد يكون تبعيّا ، ففيه أنّ المقدّمات الّتي تكون موردا للطّلب وإن كانت
![الحجّة في الفقه [ ج ١ ] الحجّة في الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4379_alhojatu-fi-alfiqh%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)