وأمّا استحقاق العقوبة في مخالفة المولى فهو ممّا يحكم به العقل الصّريح لأنّ الخروج عن طور الإطاعة هتك لمقام الرّبوبيّة وفي مثل ذلك يحكم العقل البتّة باستحقاق العقاب ومعنى الاستحقاق أنّه لو وقع العبد في عقاب المولى لا يستقبحه العقل بل يرى أنّه في محلّه ، لا أنّه يعذّبه حتما إذ الاستحقاق للعقوبة غير فعليّتها والعقل يحكم بالاستحقاق لا بوقوع العذاب ، فإنّ أبواب الرّحمة والعفو واسعة.
هذا ، ولو التزمنا بالاستحقاق في المثوبة فإنّما هى في الواجبات النّفسيّة دون الواجبات الغيريّة ، إذ الغيريّات لا نفسيّة لها على حدة كما عرفت ، بل باعتبار يمكن دعوى صحّة سلب الوجوب عنها لشدّة اندكاكها في ذويها. نعم ، هنا شيء آخر وهو أنّ إتيان المقدّمات مع عدم تعلّق الوجوب الاستقلاليّ بها إذا كان لأجل الإتيان بذي المقدّمة يوجب استحقاق المثوبة فإنّ العقل لا يفرق بين الإتيان بالواجب النّفسيّ والإتيان بالواجب الغيريّ لأجل إطاعة المولى لا للشّهوات ، فإذا كان الباعث للعبد نحو المقدّمات صرف إطاعة أمر ذي المقدّمة ولا داعي له إلّا الامتثال يستحقّ المثوبة لا محالة ، على القول بالاستحقاق ، فإنّه تحمّل المشقّة في امتثال أمره تعالى والعقل يجد ويرى الفرق بين من تحمّل المشقّة بإتيان مقدّمات كثيرة للواجب النّفسي ومات قبل إتيانه وبين من لم يتحمّل تلك المشقّة أصلا فالاستحقاق إنّما هو لأجل إطاعة الواجب النّفسيّ وإن كان على مقدّماته.
وأمّا ترك الواجبات الغيريّة فالتّحقيق أنّه لا يحسن عقلا العقاب عليه غير العقاب على ترك الواجبات النّفسيّة كما عرفت غير مرّة. هذا تمامه في الأوامر النّفسيّة والغيريّة الّتي كان الأمر بها محرزا غيريّا كان أو نفسيّا.
وأمّا الطّهارات الثّلاث الّتي تكون مقدّميّتها للصّلاة لا بما هي ذواتها بل بما هي عبادات فيشكل الأمر فيها حيث إنّ ترشّح الوجوب إليها إنّما هو بملاك مقدّميّتها ومقدّميّتها إنّما هي بعباديّتها وهي بقصد الأمر بها وقصد الأمر بها يتوقّف على ترشّح الأمر إليها فترشّح الأمر إليها يتوقّف على ترشّح الأمر إليها.
![الحجّة في الفقه [ ج ١ ] الحجّة في الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4379_alhojatu-fi-alfiqh%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)