المقدمة الثانية إنّ المقدمات بأسرها ، داخلية كانت أو خارجيّة ، تحليليّة كانت أو غيرها ، لا تكاد تكون واجبة بوجوب آخر غير وجوب ذويها فلا يكون لها امتثال ومعصية غير امتثال أمر ذويها ومعصيتها ولذلك لو فرض وجوب المقدمات بوجوب ترشحى غيرى من ناحيه ذويها لا يكون هذا الوجوب مقربا ومحصلا لغرض المولى فليس لهذا النحو من الوجوب امتثال أو معصية أو محبوبيّة أو مقربيّة. والحاصل أن المقدمات لا تكون مقربة إلّا بمقربيّة ذى المقدمات لأن شيئيّتها ليس إلّا شيئيّة وسيلة للوصول إلى ذي المقدمات والإتيان بذي المقدمات وامتثالها ومقربيتها ، حتى المقدمات التى تعلق الأمر بها أحيانا قبل تعلق الأمر بذوي المقدّمات. فلو لم يأت المكلف بالمقدمات لا تكون تركها عصيانا ولا فعلها مقربا وإطاعة لأمرها وعملا لوظيفة العبوديّة فيكون تعلّق الأمر بها كالحجر الموضوع بجنب الانسان وبالجملة ليست الأوامر المتعلقة بالمقدّمات نفسية بل إنّها فانية في الأمر النفسي المتعلق بذي المقدمات.
المقدمة الثالثة : إنّ حق التّحقيق في العبادات على خلاف ما اشتهر بين الأعلام. وهو أنّ أمر الامر ليس داعيا وباعثا أو محركا للإتيان بالعمل العبادي مطلقا بل أمر المولى يقوم مقام الموضوع لتحقق الإطاعة ، والمحرك الباعث الحقيقي تكون المبادي الاخرى توجد في نفس المكلف وتحركه نحو العمل بتكليفه وتلك المبادى النفسية المحركة متفاوتة على حسب تفاوت مراتب إيمان العباد ودرجات خلوصهم ، فإنّ مبدأ التحريك لإطاعة أمر المولى قد يكون حبّه لمولاه وقد يكون إدراك عظمته ومقهوريّة العبد تحت نور سطوته وجلاله وجماله الذي يعدّ من أعلى درجات العبوديّة وبعد تلك المرتبة مشاهدة العبد نعماء مولاه واستغراقه في بحار رحمته وآلائه من أول نشأة وجوده إلى آخر أيّة مرتبة من النعمات الظاهرية والباطنية والحسّيّة والمعنوية. ومعلوم أنّ التوجه والدرك لتلك المزايا في النفس أقوى مبدإ محرك نحو الطاعة لأوامره والانزجار والانصراف عن نواهيه. وبعد هذه المرتبة من الطاعة مرتبة الخوف من ناره وشدّة عذابه والطمع فى دخول الجنة ونعمائه
![الحجّة في الفقه [ ج ١ ] الحجّة في الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4379_alhojatu-fi-alfiqh%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)