موضوعا لإيجاد الإرادة في وعاء الاعتبار لما قلنا من عدم إمكان إيجاد الصّفات القائمة بالنّفس في عالم الاعتبار فلا يعمل اللّفظ في الإرادة عملا إيجاديّا بل إنّما هو كاشف عن الإرادة كشف المعلول عن العلّة إذ اللّفظ الصّادر عن المتكلّم بما أنّه فعل صادر عنه كسائر أفعاله الاختياريّة يدلّ بالدّلالة العقليّة على أنّ فاعله مريد له وأنّ مبدأ صدوره هو إرادة الفاعل واختياره ، كما يدلّ على أنّ صدوره إنّما يكون لأجل إفادة ولا يكون لغوا باطلا ، كما يدلّ أيضا على أنّ فاعله وقائله أراد وأفاد مضمون الجملة أي الفائدة الخبريّة أو الإنشائيّة لا الفائدة الهزليّة. كلّ هذه الدّلالات عقليّة لا وضعيّة جعليّة. نعم يدلّ من حيث إنّه لفظ موضوع للمعنى على أنّ المتكلّم إنّما أراد به المعنى الموضوع له لا المعاني المجازيّة. وسيأتى في باب المفاهيم أنّ دلالتها على هذا أيضا من الدّلالات العقليّة لا اللّفظيّة. فكشف الطّلب عن الإرادة كشف عقليّ غير وضعيّ نظير كشف المعلول عن العلّة في البراهين الإنّيّة.
ومن هنا يتّضح لك ما في كلام المحقّق الخراسانيّ (قده) : من أنّ الصّيغ الإنشائيّة كصيغة الطّلب والاستفهام وغيرهما تدلّ على ثبوت هذه الصّفات حقيقة في موطنها وهو النّفس إمّا لأجل وضعها لإيقاعها فيما إذا كان الدّاعي إلى الإيقاع ثبوت تلك الصّفات في النّفس أو انصراف إطلاقها إلى هذه الصّورة. فإنّك قد عرفت أنّ تلك الصّفات في مواطنها إنّما هي مبادي تلك المعاني الإنشائيّة فإنّ الإرادة مبدأ الطّلب وهكذا ساير الصّفات فتكون تلك الصّفات القائمة بالنّفس بمنزلة العلل والمبادي لتلك المعاني الإنشائيّة كما عرفت فلا يعقل تقييد الأمر والطّلب المتأخّر عن الإرادة في الإرادة للزوم تجافي العلّة عن مرتبتها فإذا لا يمكن أن يكون المعلول المقيّد بالعلّة موضوعا له ومدلولا لتلك الألفاظ الدّالّة على المعاني الإنشائيّة ، مضافا إلى أنّك قد عرفت أنّ دلالة الطّلب وأمثاله من الإنشائيّات دلالة عقليّة لا الوضعيّة. هذا كلّه في مادّة الأمر والجهات الرّاجعة إليها. وأمّا الكلام في صيغة الأمر ففيها أيضا جهات وأبحاث :
البحث الأوّل : لا شبهة في أنّه فرق بين قولنا امرك كذا وأطلب منك كذا وبين قولنا
![الحجّة في الفقه [ ج ١ ] الحجّة في الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4379_alhojatu-fi-alfiqh%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)