مخالفة الأمر معتذرا بالشّك في اقتران الطّلب بترخيص التّرك أو اقتران الإرادة بالرّضاية إلى التّرك. ويدلّ على ذلك أيضا قوله تعالى معاقبا على إبليس : «ما منعك ألّا تسجد إذ أمرتك؟» بعد قوله تعالى «وإذ قلنا للملائكة : اسجدوا لآدم» فانّ عتابه تعالى إنّما هو لمخالفة مجرّد أمره بالسّجود مع عدم اقتران الأمر بالتّرخيص وعدمه. وأمّا النّدب والاستحباب فيحتاج إلى أمر زائد عن الطّلب الصّرف وهو اقترانه بإذن التّرك ، والّذي يؤدّي إليه النّظر هو أنّه بناء على ما قلناه من أنّ نفس الطّلب تمام مناط حكم العقلاء باستحقاق العقوبة يكون حينئذ اقترانه بإذن التّرك ممّا يخالف ما هو تمام المناطيّة والموضوعيّة لحكم العقلاء وبعبارة أخرى ما هو تمام المناط لحكم العقل باستحقاق العقوبة هو البعث إلى الفعل فينا في ذلك التّرخيص وربّما يرجع ذلك إلى التّناقض فعلى هذا يمكن أن يقال إنّ الطّلب الإنشائيّ في الاستحبابات ليس إلّا الإرشاد إلى مصلحة راجحة في الفعل كما احتمله صاحب القوانين.
هذا ، فبناء على أنّ الطّلب بنفسه يكون مناط استحقاق العقوبة عند المخالفة أو يكون كاشفا عمّا هو تمام المناط يظهر الفرق بين القولين بأنّه لو كان الإرادة الشّديدة هي الملاك لحكم العقل فلو اطّلع العبد على إرادة مولاه بنحو من أنحاء الاطّلاع ولو مع عدم وجود الطّلب الإنشائيّ الكاشف يجب عليه الإتيان بالمراد. وأمّا لو كان الموضوع والملاك لحكم العقل هو الطّلب بنفسه لا بما هو كاشف عن الإرادة ففي تلك الصّورة لا يحكم العقل باستحقاقه ولو فرض اطّلاعه على إرادة المولى وحيث إنّ ضرورة العقل قاضية باستحقاق العقوبة في تلك الصّور ولو مع عدم الطّلب فيعلم أنّ الإرادة والاطّلاع عليها هو الموضوع لحكم العقل سواء كان هناك إنشاء الطّلب أو لا فتدبّر.
ثمّ لا يخفى أنّ كشف الطّلب الإنشائيّ عن كيفيّة علّته وأنّه عن مبدئيّة الإرادة أو عن التّوبيخ أو الاستفهام أو غير ذلك ليس من قبيل كشف الألفاظ عن المعاني بالوضع لا حكاية ولا إيجادا ، أمّا حكاية فظاهر وأمّا ايجادا فقد عرفت أنّ الطّلب الإنشائيّ ليس
![الحجّة في الفقه [ ج ١ ] الحجّة في الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4379_alhojatu-fi-alfiqh%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)