عن مضمون قوله عليهالسلام لا تنقض اليقين بالشكّ ولا ريب أن البحث عن دلالة هذا الخبر على هذه الكليّة أعني عدم جواز نقض اليقين بالشكّ ليس بحثا عن أحوال السّنة إذ المراد بالبحث عن أحوالها هو البحث عنها من حيث السّند أو الدّلالة أو المعارض أو نحو ذلك لا البحث عن تعيين مدلولها بعد الفراغ منها بل ذكر الخبر حينئذ ليس إلاّ من باب ذكر المبادي التّصديقية والمقصود الأصلي استفادة الحكم منه كإثبات وجوب عبادة بالخبر لأنّ ذكر الخبر حينئذ ليس بحثا عن الخبر بل من باب ذكر المبادي وبعد استفادة الكليّة المذكورة عن الخبر المزبور فالاستدلال بها على مواردها الجزئيّة ليس استدلالا بالدليل حتّى يكون البحث عنها ولو من حيث استفادتها من الأخبار وتطبيقها على جزئيّاتها بحثا عن الدّليل وإن أراد أنّ قاعدة الاستصحاب كلية يستدلّ بها على جزئيّاتها والأخبار دليل على هذه الكليّة بأن كانت هذه الأخبار دليل الدّليل كما أنّ أخبار الآحاد أدلّة على إثبات خصوصيّات مؤدياتها وآية النبإ دليل الدّليل يرد عليه مضافا إلى ما عرفت وإلى ما ستعرفه عند ما أورده المصنف رحمهالله على بعض السّادة الفحول أن أخذ شيء من شيء لا يوجب دخوله فيه وإلاّ انحصر أدلة الأحكام الشّرعيّة في العقل لانتهاء جميع الأدلة السّمعية إليه فلا يبقى وجه لتربيع الأدلّة وقد ظهر من جميع ما قدّمناه أنّ المتعيّن إدراج مسألة الاستصحاب على تقدير أخذها من الأخبار في المسائل الفقهيّة وأنّه لا وجه لرسمها في المسائل الأصوليّة نعم يصحّ ذلك بأحد وجهين إمّا أن يلتزم بحكم العقل والعقلاء تعبدا أو ظنّا باستصحاب الحكم الثّابت سابقا ويجعل قوله عليهالسلام لا تنقض اليقين بالشكّ دليلا على ذلك بمعنى كون ورود هذا الكلام من الشّارع في مقام إمضاء الحكم المذكور إرشادا منه إليه فيكون الاستصحاب حينئذ دليلا على إثبات الحكم الشّرعي في زمان الشّك والخبر الشّريف دليلا على اعتباره وحجيّته وإمّا أن يلتزم بكون الخبر المذكور ناظرا إلى جعل الحالة السّابقة مع الشك في بقائها أمارة إلى الواقع إذ الحكم حينئذ يكون مستفادا من هذه الأمارة ويكون الخبر دليلا على اعتبارها ولكن شيء منهما لا يساعده دليل لأنّ ظاهر الخبر بيان الكلية المسمّاة بقاعدة اليقين هذا غاية ما يمكن أن يقال في توضيح ما ذكره المصنف رحمهالله وهو بعد ما يخلو من نظر يتوقف بيانه على بيان الفرق بين الدليل والقاعدة فنقول إن الدّليل هو الوسط الّذي يحتج به لثبوت الأكبر للأصغر كما صرّح به المصنف رحمهالله في صدر الكتاب وهو نفس الأصغر وإليه ينظر تعريفهم له بأنّ الدّليل ما يمكن التوصّل بصحيح النّظر فيه إلى مطلوب خبري لأنّ المراد بالموصولة هو الأصغر وبصحيح النظر ترتيب القضيتين من الصّغرى والكبرى وبالتوصّل أخذ النتيجة منهما هذا بحسب ما اصطلح عليه الأصوليّون وأمّا علماء الميزان فالدّليل عندهم مجموع المقدمتين فإذا قيل العالم متغير وكلّ متغيّر حادث فالدّليل عند الأصوليّين هو العالم وعند علماء الميزان مجموع المقدمتين والقاعدة هي الكليّة الّتي يستدلّ بها على جزئياتها وهذه الكليّة هي الّتي تجعل كبرى في ترتيب القضيتين وأخذ النتيجة منهما وإذا فرضت لموضوع هذه الكليّة ملزوما وكرّرت هذا الموضوع بينه وبين محموله حصلت عندك المقدّمتان كما يظهر ممّا ذكرناه من المثال وإذا تحقق ذلك نقول إنّ عدم كون قاعدة الاستصحاب من الأصول إن كان من جهة عدم جريان المميزات الخمسة الّتي عرفتها في الحاشية السّابقة وغيرها فيها فتوجه المنع إليه واضح أمّا تعريف علم الأصول فإنّه لا ريب أنّه يصدق عليها أنّها قاعدة ممهدة لاستنباط الأحكام الشّرعيّة الفرعيّة لأن إطلاق التعريف يشمل استنباط الحكم من نفس هذه القاعدة أو من غيرها بمعونتها فإن قلت إنّ المراد بالاستنباط هو الاستدلال على الحكم بالدليل وقد عرفت أنّ تطبيق القواعد على جزئيّاتها لا يسمّى استدلالا قلت لا نفهم معنى هذا الكلام وإن ذكره بعض أجلّة الأعلام لأن إثبات حكم كلّي على جزئيّاتها الحقيقية أو الإضافيّة لا يتم إلاّ بترتيب القضيتين من الصغرى والكبرى حتّى تؤخذ النتيجة منهما كما إذا قلت إنّ هذا كان متّيقن النّجاسة وشكّ في بقائها وكلّ ما هو كذلك فهو محكوم بالنجاسة فلا وجه لمنع كونه استدلالا وأمّا موضوعه فإن موضوع علم الأصول هي أدلة الفقه ولا ريب أن المقصود من البحث عن قاعدة الاستصحاب هو التّصديق بثبوتها شرعا ولا إشكال أنّ الاستدلال على إثباتها والتصديق بثبوتها شرعا بالأخبار بحث عن أحوال هذه القاعدة التي عرفت كونها دليلا على إثبات جزئيّاتها وسيجيء توضيحه عند بيان مراد من جعل الأخبار دليلا على الدّليل وما ذكرناه في توضيح مراد المصنف رحمهالله من أن مرجع البحث عنها بناء على اعتبارها من باب الأخبار إلى البحث عن تعيين مدلول الدّليل وهو ليس بحثا عن أحواله ضعيف لأنّ فيه اشتباها بين البحث عن تعيين مدلول الدّليل لتصوره وبين البحث عن تعيين مدلوله للتصديق بثبوت مضمونه في الواقع لكون ألفاظ الخبر دليلا على إثبات مضمونها في الواقع كما يقال إن قوله تعالى (أَقِيمُوا الصَّلاةَ) دليل على وجوبها في الواقع فيقال فيما نحن فيه أيضا إنّ قاعدة الاستصحاب دليل على إثبات أحكام مواردها الجزئيّة والبحث عن ثبوتها وعدمه في الواقع بحث عن أحوال الدّليل فتدخل في المسائل الأصولية وأمّا خواصه فباعتراف من المصنف رحمهالله وأمّا التدوين فواضح اللهم إلاّ أن يقال إن تدوينهم قاعدة الاستصحاب في المسائل الأصوليّة إنّما هو لأجل قولهم باعتباره من باب العقل كما ذكره المصنف رحمهالله في الأمر الأوّل وهو لا ينكر كونها منها على هذا التقدير وإنّما ينكر كونها منها على تقدير أخذها من الأخبار والتّدوين بالاعتبار الأوّل لا يستلزم كونها من مسائل الأصول بالاعتبار الثاني ويؤيّده أن ظاهر كثير من العامة دخول قاعدة الاستصحاب في القواعد الشرعية نظير قاعدة الضرر والحرج ونحوها حيث نظموها في سلكها بعد ذكر الأدلّة العقلية والشّرعيّة كما في محصول الرّازي وشرح المنظومة لمحمد البرماوي الشافعي وغيرهما وعدّها من القواعد الشّرعيّة ظاهر في خروجها من مسائل الأصول وكيف كان وفيما قدّمناه كفاية وإن كان من جهة أن تطبيق الكليّات على جزئيّاتها لا يسمّى استدلالا بالدّليل حتى يكون البحث عنها بحثا عن أحوال الدّليل فقد عرفت ضعفه فإن قلت إن جميع ما ذكرت جار في جميع القواعد الشرعيّة الّتي تتفرّع عليها أحكام كليّة فلا بدّ أن يكون من الأصول ولا يلتزمون به قلت هذا الإشكال وارد على القوم ولا أعرف وجها في دفعه وإن كان ربّما يذكر في وجهه ما لا يدفع ضيما(قوله) نعم يندرج تحت هذه القاعدة إلخ لعلّه إشارة إلى استثناء هذا المورد من محلّ الكلام لتعين القول بكون القاعدة حينئذ من المسائل الأصولية كما أشرنا إليه عند قوله أمّا على القول بكونه من الأصول العمليّة إلى آخره (قوله) هذا من خواص المسألة الأصولية إلخ قد ظهر الوجه فيه عند شرح قوله أمّا على القول بكونه من المسائل الأصولية إلى آخره ولكن للنظر فيه مجال واسع لأنّي لا أعرف فرقا بين قاعدة الاستصحاب وسائر القواعد الفقهية الّتي يستنبط منها الأحكام الكليّة كقاعدة الضّرر والحرج والسّلطنة والطهارة وغيرها
