حجة ودليلا لزم حمل الشيء على نفسه ولكن في كلام المصنف رحمهالله إشارة إلى عدم الجزم بذلك ولعلّ الوجه فيه احتمال كون المراد بالقواعد الممهدة هي القضايا الّتي كانت محمولاتها من عوارض موضوعاتها بوصف دليليتها مثل قولنا لا يجوز النسخ بخبر الواحد وقولنا يجوز تخصيص الكتاب بخبر الواحد ونحوهما ولكن فيه ما لا يخفى من تكلّف التقييد من دون دليل (قوله) الفرعيّة من أدلتها ليس في المنقول عنهم في تعريف علم الأصول لفظ عن أدلتها نعم هو موجود في تعريف الفقه فتدبّر (قوله) أمّا على القول بكونه من الأصول إلخ بأن كان معتبرا من باب الأخبار وقد ذكروا لكون مسألة الاستصحاب من الأصول أو الفروع ثمرتين إحداهما عدم جواز التمسّك فيها بأخبار الآحاد لما عزي إلى المشهور وصرّح به المحقق في المعارج من عدم جواز العمل بالظن في المسائل الأصولية وببالي أنه قد ادعى عليه الإجماع في الذخيرة والأخرى عدم جواز التقليد فيها بناء على كونها من الأصول ولكن الأولى ضعيفة لما قررناه من عدم الفرق في حجّية الأخبار بين المسائل الأصوليّة والفقهية سواء قلنا باعتبارها من الظنون الخاصّة أم المطلقة وكذا الثّانية إذ ليس كلّ مسألة فقهيّة يجوز فيها التقليد كنفس مسألة جواز التقليد إذ لو جاز التقليد فيها لزم الدّور وسنشير إلى بعض الكلام في ذلك ثم إنّ تحقيق الكلام في كون مسألة الاستصحاب من المسائل الأصولية أو الفقهية يتوقف على بيان حقيقتهما فنقول إن الأحكام الشرعيّة إمّا أن يكون موضوعها الاعتقاد وإن لم يتعلق بالعمل أصلا كوجوب الاعتقاد بالمعاد الجسماني أو كان وكان تعلقه به بعيدا ولم يكن ذلك مقصودا بالأصالة من التكليف مثل وجوب تصديق النّبي صلىاللهعليهوآله لأنّ موضوعه وإن كان هو الاعتقاد إلا أنّه يتبعه وجوب العمل بكل ما جاء به من الأحكام وهذا القسم يسمّى بالأصول الاعتقادية وإمّا أن يكون موضوعها أفعال المكلّفين وهو على قسمين قسم يكون موضوعه فعل مكلف مخصوص كوجوب العمل بأخبار الآحاد لاختصاصه بالمجتهدين كما أوضحه المصنف رحمهالله وهذا القسم يسمّى بالأصول وقسم لا يختص بمكلف دون آخر كوجوب الصّلاة والزكاة ونحوهما وهذا القسم يسمّى بالمسائل الفقهيّة وإن شئت قلت إنّ كلّ مسألة بعد تنقيحها واستنباطها من الأدلّة إن اختص العمل بها بالمجتهد فهي من المسائل الأصوليّة وإن عمّه العمل بها والمقلد فهي من المسائل الفقهية فلا يرد حينئذ اختصاص وجوب القصر بالمسافر والإتمام بالحاضر ونحوهما مع كونهما من المسائل الفقهية وعلى ما ذكرناه يبتنى ما ذكره المصنف رحمهالله من خاصّة علم الأصول وإن كان ذلك لا يخلو من نظر كما سنشير إليه وإذا عرفت هذا نقول إنّ موارد الاستصحاب ومجاريه مختلفة ولا إشكال في دخوله في بعض موارده في الفقه وفي بعض آخر في الأصول ويقع الإشكال في بعض آخر أمّا الأوّل فهو الاستصحاب الجاري في الموضوعات الخارجة لإثبات الأحكام الجزئيّة كعدالة زيد ونجاسة ثوبه وفسق عمرو وطهارة ثوبه إذ لا إشكال كما صرّح به المصنف رحمهالله في آخر كلامه في دخول مثله في المسائل الفقهيّة لما أشرنا إليه سابقا من أن تمايز العلوم إما بتمايز الموضوعات أو الحدود أو الخواص أو التّدوين أو الاشتهار وشيء منها لا يفيد كونه من المسائل الأصوليّة أمّا الأوّل فإن موضوع علم الأصول هي الأدلة الأربعة المستدلّ بها على إثبات الأحكام الشرعيّة والثابت بالاستصحاب في الموضوعات الخارجة أحكام جزئية وهي ليس بشرعيّة بمعنى كونها ممّا ينبغي أن يؤخذ من الشّارع كما أسلفناه سابقا بل الحكم حيث يطلق فظاهره إرادة الحكم الكلّي منه دون الجزئي وأمّا الثّاني فإنهم قد عرفوا الأصول بأنّه العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعيّة عن أدلتها التفصيليّة وقد عرفت عدم إفادة الاستصحاب في الموضوعات الخارجة لحكم شرعي وأمّا الثالث فلجواز التقليد في موارده إذ يجوز للمجتهد أن يفتي المقلد بجواز العمل بمقتضى الاستصحاب في الموضوعات الخارجة بعد بيان مؤدّاه ومفهومه له كما يجوز له الإفتاء بحرمة شرب الخمر مثلا وجاز لمقلده العمل بفتواه في جميع موارده وأمّا الرّابع فلما أسلفنا سابقا من كون البحث عن اعتبار الاستصحاب في الموضوعات الخارجة في هذا العلم استطراديا وأمّا الخامس فواضح وأمّا الثّاني فهو الاستصحاب الجاري في إثبات المسائل الأصولية كأصالة عدم النقل والاشتراك المعمول بها في مباحث الألفاظ وأكثر المميزات المذكورة آتية هنا وربّما يمثل له باستصحاب انسداد باب العلم أو انفتاحه عند الشّك في ذلك لإثبات جواز العمل بمطلق الظنّ أو حرمته كما إذا فرض انسداد باب العلم لاندراس كتب الأخبار سوى جملة منها يشك معها في بقاء الانسداد أو كان باب العلم مفتوحا ثمّ شك في بقاء الانفتاح لاندراس بعض الكتب وفيه نظر لأنّ جواز العمل بمطلق الظنّ عند الانسداد وكذا حرمته عند الانفتاح عقلي ولا يجوز الاستصحاب في الأحكام العقلية كما سيجيء في محلّه وكيف كان فالظّاهر خروج القسمين من محلّ البحث وأمّا الثالث فهو الاستصحاب الجاري في الأحكام الكلية الفرعيّة وقد ذكر المصنف رحمهالله فيه وجهين وستقف على تحقيق الحال فيهما (قوله) من حيث إن الاستصحاب إلخ توضيحه أن الاستصحاب على تقدير أخذه من الأخبار عبارة عن مضمون قوله عليهالسلام لا تنقض اليقين بالشكّ فمرجع البحث عنه حينئذ إلى البحث عن تعيين مضمون هذا الخبر فكما أنّ البحث عن تعيين مضمون قوله صلىاللهعليهوآله لا ضرر ولا ضرار في الإسلام وكذا قوله عليهالسلام كل شيء طاهر حتى تعلم أنّه قذر وقوله يجب كذا ويحرم كذا ونحو ذلك ممّا يتضمن حكما كليّا أو قاعدة كليّة تندرج فيها أحكام كلية مرجعه إلى البحث عن تعيين مضمون هذه الأخبار للإفتاء بمضمونها وليس ذلك بحثا عن أحوال الدّليل كذلك ما نحن فيه وبالجملة إن مسائل الأصول هي الباحثة عن أحوال طريق هذه الأحكام من حيث السّند أو الدّلالة أو المعارض أو نحو ذلك والبحث عن تعيين مضمون الطريق ليس بحثا عن أحواله ومن هنا يظهر ضعف ما ذكره المحقق القمي رحمهالله في مقام تعيين موضوع علم الأصول كما تقدّم في كلام المصنف رحمهالله من أنّ الاستصحاب إن أخذ من الأخبار يدخل في السّنة لأنّه إن أراد أنّ قاعدة الاستصحاب على تقدير أخذها من الأخبار عبارة عن مضمون قوله عليهالسلام لا تنقض اليقين بالشّك وأنّ البحث عنها بحث عن أحوال الدّليل لكونه من جزئيات السّنة الّتي هي أحد الأدلّة الأربعة وتكون دليليته باعتبار الاستدلال به على جزئياته ففيه أنّه منتقض بجميع القواعد الشّرعيّة من قاعدة الضّرر والطهارة والسّلطنة ووجوب الوفاء بالعقود والعسر ونحوها إذ يلزم عليه أن تكون هذه القواعد كلّها من المسائل الأصوليّة وقد اتفقت كلمتهم على خلافه إذ لم يذكر أحد إحدى هذه القواعد في علم الأصول بل ذكروها في الفقه ولعلّ الوجه فيه مضافا إلى ما عرفت أنّ تطبيق الكلّيات على جزئياتها لا يسمّى استدلالا إذ لا بد فيه من ترتيب الصّغرى والكبرى وأخذ النتيجة منهما ولذا أخذوا قيد النظر في تعريف الدّليل فقالوا الدّليل ما يمكن الوصول بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري ولا ريب في عدم صدق ذلك على تطبيق قولنا كل فاعل مرفوع على جزئيّاته والحاصل أنّ الاستصحاب على تقدير أخذه من الأخبار عبارة
