في كون البحث عن حجّية الاستصحاب على تقدير اعتباره من باب العقل من المسائل الأصوليّة لأن تمايز مسائل العلوم إما هو بتمايز موضوعاتها أو حدودها أو خواصّها ولوازمها على سبيل منع الخلوّ وألحق بها التدوين والشّهرة بمعنى كون تدوين مسألة في مسائل علم أمارة لكونها من مسائله وكذا اشتهار كونها منه في ألسنة القوم وهذه أمارات خمسة في تمييز العلوم بعضها عن بعض وكلها موجودة فيما نحن فيه أمّا التدوين فواضح وأمّا الاشتهار فلما حكي عن جماعة من التصريح بكونه من المسائل الأصولية وأمّا الخواص فلوجود خاصية علم الأصول فيه وهي اختصاص العمل به ببعض المكلفين دون بعضهم أعني المجتهدين وأمّا التعريف فكذلك لصدق تعريف علم الأصول بأنه علم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية الفرعية عليه وأمّا الموضوع فإنّ موضوع علم الأصول هي ذات الأدلة لا بوصف كونها دليلا والبحث عن حجية الاستصحاب وعدمها بحث عن ذات الدّليل فيدخل في هذا العلم نعم إن قلنا بأن موضوعه الأدلة بوصف كونها دليلا يكون داخلا في المبادي التصديقية لكون البحث عن حجيته حينئذ بحثا عن تعيين الدّليل لا عن أحواله والمبادي وإن كانت تذكر غالبا في غير العلم إلا أنّه لما لم يكن محلّ آخر يناسب ذكر مبحث الاستصحاب فيه ذكروه في تضاعيف مسائل هذا العلم ولكن الوجه الثّاني ضعيف كما سنشير إليه هذا كله في الاستصحاب الجاري في الأحكام الكليّة وأمّا الجاري في الموضوعات الخارجة فسيشير المصنف رحمهالله وسنشير أيضا إلى دخوله في الفقه (قوله) نعم يشكل ذلك بما ذكره إلخ يرد على ما ذكره المحقّق المذكور مضافا إلى ما ذكره المصنف رحمهالله من مخالفته لظاهر تعريف علم الأصول أولا أنّه يستلزم خروج عمدة مسائل علم الأصول منه كالبحث عن حجيّة الكتاب والسّنة وأصالة البراءة والاستصحاب والتزامه بعيد وثانيا أنّ المحقّق المذكور قد ذكر أن موضوع علم الأصول هي الأدلّة الأربعة أعني الكتاب والسّنة والإجماع والعقل ولا ريب أنّ البحث عن دليل العقل في كلّ مقام إنّما هو عن حجيّته ومرادهم بكونه حجة وعدمها كونه حاكما بالحسن والقبح في بعض الأفعال وعدمه فالمثبت يدعي الأوّل والنافي الثّاني وليس البحث فيه عن حجّية حكمه وعدمها بعد الفراغ من استقلاله في الحكم بالحسن والقبح في بعض الأفعال فالنّزاع بينهم صغروي وذلك لأن القول بحكم العقل بالحسن والقبح إنّما هو مبني على ما عليه الإمامية والمعتزلة من كون العباد مختارين في أفعالهم لا مجبورين فيها لأجل توهم كونها مخلوقة لله تعالى والأشاعرة لما أنكروا هذا الأصل فأنكروا أصل حكم العقل بالحسن والقبح نعم قد أنكر الأخباريون حجّية حكم العقل بعد تسليم استقلاله بالحسن والقبح لكنهم ليسوا بمطرح أنظار العلماء لأنّ البحث هنا مع الأشاعرة وإذا فرض كون البحث هنا في أصل إدراك العقل يرجع البحث عنه إلى البحث عن وجود الدّليل وعدمه ولا ريب أنّ التصديق بوجود الموضوع وتصوّره وتصور أجزائه وجزئياته داخل في المبادي دون المقاصد ولذا قد رسم شيخنا البهائي وغيره مسألة الحسن والقبح في المبادي دون المقاصد وحينئذ يرد على المحقق المذكور أولا أن دعوى كون موضوع علم الأصول هي الأدلّة بوصف كونها دليلا تنافي رسم مسألة الحسن والقبح في المقاصد لما عرفت من أنّ اللاّزم على ما ذكره إدراجها في المبادي ومع تسليم كون البحث عن حجية حكم العقل بعد الفراغ من تسليم حكمه أنّه لا بد أن يرسم ذلك في المبادي أيضا لرجوع البحث حينئذ أيضا إلى البحث عن تعيين الدّليل لا عن أحواله كما يظهر ممّا أسلفناه نعم يمكن دفع الأوّل بأنّ الإشكال باختصاص البحث في مسألة الحسن والقبح بإدراك العقل مشترك الورود على تقدير أخذ موضوع علم الأصول هو ذات الأدلّة أو بوصف كونها دليلا ويمكن دفع أصل الإشكال ببيان مقدّمة وهي أنّ البحث عن أحوال الموضوع في كلّ علم كما ذكره المحقّق المذكور في حاشية القوانين أعم من أن يكون عن عوارض نفى الموضوع مثل البحث عن تخصيص الكتاب بخبر الواحد والنسخ به والنقل بالمعنى ونحو ذلك وعن عوارض عوارض الموضوع مثل البحث عن جواز النسخ قبل حضور وقت العمل وعدمه وعن عوارض جزئيّات الموضوع مثل البحث عن تقديم المحكم على المتشابه والنصّ على الظاهر والخاص على العام والمقيد على المطلق والمبين على المجمل وعن عوارض أجزاء الموضوع مثل البحث عن كون الأمر للوجوب وللفور والمرة وعدمها وحينئذ نقول إن البحث عن حجيّة الاستصحاب وعدمه راجع في الحقيقة إلى البحث عن جواز رفع اليد عن البراءة والاشتغال والتخيير الثابتة بالعقل بالاستصحاب نظرا إلى حكومته عليها وعدمه بل عن جواز تخصيص عمومات الكتاب والسّنة المعلومة الاعتبار مثل عموم الوفاء بالعقود ونحوه بالاستصحاب إذ ربّما يبتنى تخصيص العام على اعتباره كما في موارد دوران الأمر بين استصحاب حال العام واستصحاب حال المخصّص كما سيجيء في محلّه والبحث عن جواز رفع اليد عن القواعد المذكورة بالاستصحاب بل عن جواز تخصيص الكتاب والسّنة به بحث عن عوارض جزئيّات الموضوع وداخل في مقاصد الأصول لكونه بحثا عن أحوال الدّليل بعد إحراز دليليته وهذا الجواب جار بالنسبة إلى البحث عن حجيّة الكتاب والسنّة مضافا إلى ما ذكره المصنف رحمهالله في صدر مبحث حجية خبر الواحد نعم يبقى الإشكال بالنسبة إلى البحث عن حجيّة أصالة البراءة إلاّ أنّه يندرج في الإيراد الثّاني لأنّ البحث عن أصالة البراءة من جزئيّات حجيّة العقل وقد عرفت أنّ الإيراد الثّاني مشترك الورود ثم إنّ في إدراج البحث عن حجيّة الاستصحاب على تقدير اعتباره من باب العقل في مسائل الأصول إشكالا آخر سوى ما ذكره المصنف رحمهالله على تقدير كون موضوع علم الأصول هي الأدلّة بوصف الدّليليّة وهو أنّ ظاهر كلماتهم في المقام مثل استدلال المثبت بأن ما ثبت دام وقول المجيب بأن ما ثبت جاز أن يدوم وجاز أن لا يدوم وغير ذلك كون نزاعهم في المقام صغرويّا بمعنى كون نزاعهم في إفادة الاستصحاب للظنّ بالبقاء وعدمها بعد الفراغ من اعتبار هذا الظنّ وحينئذ يرجع البحث عنه إلى البحث عن إحراز الموضوع وقد عرفت أن البحث عن تعيين الموضوع داخل في المبادي وحكي عن المصنف رحمهالله الجواب عن الإيرادين السّابقين بأنّ المراد بالأدلة التي هي موضوع علم الأصول هي الأدلة الواقعية الّتي ثبتت دليليتها في نفس الأمر وعلمناها إجمالا والبحث عن حجيّة دليلية شيء في الظاهر بحث عن أحوال الأدلّة الواقعية من حيث الانطباق على المبحوث عنه وعدمه وأنت خبير بأن هذا الوجه إنّما يدفع الإيراد الأوّل دون الثاني نعم يدفعه أيضا على تقدير كون البحث عن دليل العقل بحثا عن حجيّة حكمه لا عن إدراكه (قوله) ولعله موافق لتعريف إلخ تقريب الموافقة أن قولنا الكتاب حجّة أو السّنة حجّة يصدق عليه أنّه من القواعد الممهدة للاستنباط وهو إنّما يتم على تقدير كون المراد بالأدلّة التي هي موضوع علم الأصول ذواتها لا بوصف كونها أدلّة وإلاّ لم يصحّ الحمل إذ لو كان المراد بالكتاب مثلا الّذي هو الموضوع هو ذلك بوصف كونه
