الثّاني لأن الجواز في الأوّل والوجوب في الثّاني حكمان ضرريان ينفيهما عموم نفي الضّرر ويتفرع على الأوّل ما ذهب إليه المشهور من عدم جواز إسناد الحائط المخوف وقوعه إلى جذع الجار خلافا للشّيخ مدعيا لعدم الخلاف فيه ولكنّه لأجل مخالفته للقاعدة أوّل تارة بالحمل على صورة خوف إهلاك نفس محترمة فيكون الحكم بالجواز حينئذ مبنيّا على تعارض الضّررين وتقديم الأهمّ منهما وهو النّفس وأخرى بالحمل على صورة عدم تضرّر الجار بالإسناد إلى جذعه أصلا كالاستضاءة بنار العبر والاستظلال بحائطه ويتفرّع على الثّاني جواز إضرار الغير إكراها أو تقية بمعنى أنّه إذا أمره الظالم بالإضرار بالغير وعلم بوصول ضرر منه إليه على تقدير المخالفة يجوز الإضرار بالغير حينئذ لعدم وجوب تحمّل الضّرر لدفع الضّرر عن الغير وليس هذا من قبيل دفع الضّرر عن نفسه بإدخال الضّرر على غيره حتّى يدخل في الصّورة الأولى لأنّ الضّرر هنا متوجّه ابتداء إلى الغير بالإرادة الحتميّة من الظالم وإليه على تقدير المخالفة وترك الامتثال فتوجّه الضّرر إليه إنّما هو في المرتبة الثّانية الأمر السّابع أنّه لا فرق في الضّرر المنفي بين الحاصل منه من قبل الله تعالى كما إذا تضرّر باستعمال الماء في الوضوء لشدّة برودة الهواء مثلا وما كان من قبل المكلّف وباختياره وعليه لا فرق أيضا بين الجائز شرعا كما إذا قصّر في الفحص عن قيمة ما باعه فصار مغبونا في البيع وبين الحرام كذلك كما إذا أجنب نفسه مع علمه بتضرّره بالغسل فعموم نفي الضّرر بنفي وجوب كلّ من الوضوء والغسل ولزوم البيع نعم لو أقدم المكلّف على إدخال الضّرر على نفسه كما إذا باع بدون ثمن المثل عالما به فالقاعدة لا تنفيه لأنّ الحكم حينئذ لم يحصل بحكم الشّارع بل بفعله وإقدامه بل لا يبعد أن يكون نفي الضرر حينئذ مناقضا للقاعدة لأنّ إلزام المكلّف على خلاف مراده ومقصوده إضرار به فما ذكر صاحب الجواهر في وجه وجوب ردّ المغصوب إلى مالكه وإن استلزم تضرّر الغاصب بأضعاف قيمة المغصوب من أنّه هو الّذي أدخل الضّرر على نفسه بسبب الغصب لا يخلو من إشكال لأنّه إن أراد بإدخال الضّرر على نفسه إيجاد مقدّماته فقد عرفت أنّه لا يمنع جريان القاعدة وإن أراد الإقدام عليه بإرادته وقصده فهو ممنوع لأن الغاصب إنما يريد الانتفاع بالمغصوب لا إدخال الضّرر على نفسه ولكن أصل الحكم مشهور بل يكاد لا يوجد فيه خلاف ويمكن توجيهه بأن إحداث الغصب كما أنّه ضرر على المالك كذلك إبقاء المغصوب وعدم ردّه إليه فيتعارض ضرر الإبقاء العائد إلى المالك مع ضرر الرّد الحاصل للغاصب وحينئذ إمّا يحكم بتعارضهما وتساقطهما والرّجوع إلى أصل آخر وهو عموم حرمة الإضرار بالغير لأنّ حرمته كحرمة الإضرار بالنفس ثابتة بأدلة أخر سوى أدلة نفي الأحكام الضّرريّة وإن كانت هي من جملتها وقد عرفت أنّ إبقاء المغصوب ضرر على المالك وبعد تعارض فردي عموم نفي الحكم الضّرري يرجع إلى عموم حرمة الإضرار وإمّا يرجح ضرر المالك لأن أخبار نفي الضّرر كما تقدّم سابقا إنما وردت في مقام الامتنان والمالك أولى من الغاصب في شمول المنة والرّأفة من الله تعالى له عند دوران الأمر بينهما لأنّ الغاصب لأجل غصبه قد صار سببا لعدم تعلّق التفضل والمنّة من الله تعالى به فضّل الله ثوابنا في ميزان الأعمال بفضله ومنّه وليكن هذا آخر ما أردنا إيراده في المجلّد الثّاني من مجلّدات هذه التعليقة وقد وقع الفراغ منه بيد مصنّفه الجاني الفاني غريق بحار المعاصي موسى بن جعفر عفا الله عنهما في اليوم العشرين من الشّهر الأوّل من السنة ١٢٩٢ اثنتين وتسعين بعد ألف ومائتين قد مضين من هجرة المصطفويّة على هاجرها آلاف صلاة وتحيّة أثبت الله تعالى أقدامنا يوم تزل فيه الأقدام
