مسمن ولا مغن عن شيء في المقام أمّا أوّلا فإنا قد أشرنا سابقا إلى أنّ هذه القاعدة موهونة بورود كثرة التّخصيص عليها وأنّه لا بدّ في العمل بها في مورد من جبر وهنها بعمل الأصحاب بها في هذا المورد ولم يعمل أحد بها في المقام سوى ما عرفته من صاحب الرّياض وأمّا ثانيا فإن نفي الحكم الواقعي في المقام بناء على المعنى الخامس الّذي عرفته لا يستلزم الضّمان لأنّه إذا فتح باب قفس طائر فطار فهذا الفعل في الواقع وإن لم يخل من أحد الأحكام الخمسة إلاّ أنّه يحتمل أن يكون حكمه في الواقع هي الحرمة ولم يرض به الشّارع في الواقع حتّى يترتّب عليه ضرر وأمّا الحكم بالجواز في الظّاهر لأصالة البراءة فهو مسامحة في العبارة وإلاّ فأصالة البراءة لا تقتضي إلاّ مجرّد نفي العقاب لا الإباحة الّتي هي أحد الأحكام الخمسة ومع التّسليم فالضّرر حينئذ يكون مرتّبا على وجود الحكم لا على عدمه كما هو المفروض في المقام وكيف كان فالقاعدة على هذا المعنى ساكتة عن نفي الضرر المرتّب على العدميّات وستقف على زيادة توضيح لذلك وأمّا بناء على سائر المعاني المتقدّمة فأمّا على المعنى الثّاني والثّالث الرّاجعين إلى بيان حرمة الفعل الضّرري فإنّ القاعدة وإن نفت جواز الفعل المذكور حينئذ كحبس الرّجل أو الدّابة وفتح القفس في الأمثلة المتقدّمة إلاّ أنّ مجرّد الحرمة لا يدل على الضّمان لعدم الملازمة بينهما مع أنّ الضّمان على تقدير تسليمه إنما هو مرتّب على نفي الحكم الوجودي الضّرري وهي إباحة الفعل لا على نفي عدم الحكم المثبت لوجوده كما هو الفرض في المقام لأنّ المقصود إثبات الضمان بنفي عدمه من جهة استلزام عدمه للضّرر على الغير ولا ربط بين تحريم الفعل ونفي عدم الضّمان المثبت لوجوده وأمّا على المعنى الرّابع أعني كون المراد نفي الضرر من دون تداركه وجبره في الإسلام فإنّ مرجعه إلى نفي الضّرر في الإسلام تنزيلا للضرر المتدارك منزلة عدمه كما تقدّم عند بيان هذا المعنى وتقدم هناك أيضا أن الأمر بالتّدارك ودفع العوض بعد حصول الضّرر إنما يصحّح التّكليف بالفعل الضّرري لا أنّه ليس بضرر ولو بالتّنزيل وبالجملة إنّه فرق بين الأمر بالتّدارك وفعليّته والتّنزيل إنّما يصحّ على الثّاني دون الأوّل كما صرّح به المصنف رحمهالله في بعض كلماته مع أنّ الحكم بالضمان لأجل تدارك الضّرر الحاصل بحبس الرّجل والبراءة أو فتح القفس خروج من عنوان البحث كما تقدّم وأمّا على المعنى الأوّل الرّاجع إلى نفي حكم ضرري في الإسلام كما هو ظاهر الرّواية فإنّ الفرض في المقام إثبات الحكم أعني الضمان من جهة ترتّب الضرر على عدمه بأن ينفي عدمه الملازم لوجوده لا نفي الحكم الوجودي المرتّب عليه ضرر كما هو مقتضى هذا المعنى ولا شكّ أنّ عدم الحكم ليس من الأحكام المجعولة حتّى يكون موردا للقاعدة بأن يقال إنّ عدم الضّمان من جملة الأحكام الّتي يترتّب عليها ضرر فتنفيه قاعدة نفي الضّرر لوضوح كفاية العدم في عدميّة العدم من دون حاجة إلى إنشاء الشّارع نعم يمكن إثبات الضّمان هنا لوجوه أخر أحدها أن يرتكب نوع مسامحة في الرّواية بأن يقال إنّ المراد بالإسلام فيها كلّ ما يعدّ منه عرفا أو ينسب إلى الشّارع ويجب أخذه منه من الوجوديّات والعدميّات ولا ريب أنّ عدم الضّمان كنفس الضّمان من جملة ذلك وكذا مؤديات أصالة البراءة فإنها وإن لم تكن حكما شرعيّا لأنّ مؤدى البراءة ليس إلاّ مجرّد نفي العقاب دون الإباحة كما أشرنا إليه إلاّ أنّه ينسب مؤديها عرفا إلى الشّارع ووجه المسامحة واضح لأنّ الإسلام في الحقيقة هو ما جاء به النّبيّ صلىاللهعليهوآله والعدميّات ليست منه لما عرفت من عدم احتياجها إلى إنشاء الشّارع وكفاية إبقائها على عدمها السّابق في تحقّق عدميّتها وثانيها أنّ العدميّات وإن لم تكن من الأحكام الشّرعيّة إلاّ أنّه يمكن إدخالها فيها باعتبار لوازمها الشرعيّة لأنّه إذا حبس الرّجل فشردت دابّته فعدم ضمان الحابس يوجب حرمة مطالبة المحبوس بما فات منه بحبسه وكذا يحرم عليه التّقاص من ماله عوض الفائت وكذلك يحرم عليه التعرض له ودفعه عن نفسه حين الإضرار فينفي ذلك كلّه بعموم نفي الضّرر فيثبت به الضّمان وثالثها أن استدلال النبيّ صلىاللهعليهوآله في قصّة سمرة لعموم نفي الضّرر على تسلّط الأنصاري على قلع عذقه لأجل كون عدم تسلّطه عليه ضررا عليه وكذا استدلال الصّادق له على إثبات الشّفعة لأجل كون عدم ثبوت الشّفعة للشّفيع ضررا عليه قرينة على دخول العدميّات أيضا في عموم الرّواية وحيث فرضنا استلزام عدم الضّمان فيما نحن فيه أيضا للضّرر فينفي بعموم نفي الضرر ورابعها قوله من أضرّ بطريق المسلمين فهو له ضامن بتقريب أن هذا الخبر من جملة الأخبار الواردة في بيان قاعدة نفي الضّرر كما تقدّم سابقا ولا ريب أن المناط في الضّمان هو تضرر المسلمين من دون مدخليّة الطريق فيه فيثبت الضّمان في كلّ ما استلزم تضرّرهم سواء كان من الأمور الوجودية أو العدميّة وخامسها عمومات الكتاب الواردة في جواز المقاصة مثل قوله تعالى (جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها) وقوله سبحانه (فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ) لدلالتها على جواز أخذ ما يساوي الضرر الداخل عليه مطلقا هذا ولكن في الجميع نظر أمّا الأوّل فلعدم الدّليل على جواز الاعتداد بمثل المسامحة المذكورة وإلاّ انهدم به أساس الفقه وأمّا الثّاني فإنّ قوله صلّى الله عليه لا ضرر ولا ضرار في الإسلام وارد في مقام بيان نفي الأحكام الضرريّة الّتي لو لا نفيها كانت ثابتة في الشّرع وبعبارة أخرى إنّه وارد في مقام بيان اختصاص عمومات الكتاب والسّنة ومطلقاتها بغير موارد الضرر فهو ناظر إلى رفع أحكام هذه العمومات والمطلقات عن موارد الضّرر وإن ترتب على ارتفاعها حكم آخر لا إلى إثبات حكم ابتداء بواسطة ترتب الضّرر على عدمه وإن استلزم عدمه بعض اللوازم الشّرعيّة فتأمّل وأمّا الثّالث فإن أمر النّبي صلىاللهعليهوآله الأنصاري بقلع عذق سمرة لعلّه لأجل كون بقاء سلطنة سمرة على عذقه ضررا على الأنصاري لأجل كون عدم سلطنة الأنصاري على قلعه ضررا عليه وكذا حكم الصّادق بالشّفعة لعلّه لأجل كون لزوم العقد الثّابت بقاعدة وجوب الوفاء بالعقود ضررا على الشّريك لا لأجل تضرّره بعدم سلطنته على أخذ المال المشترك فيه وأمّا الرّابع فإن الخبر المذكور لا دخل له في إثبات قاعدة نفي الضّرر وإن ذكرناه في أخبارها لوروده في مقام بيان حكم الضّمان فيما أحدث أحد عملا في طريق المسلمين فتضرّر به آخر لا في مقام بيان نفي الأحكام الضرريّة كما هو مقتضى القاعدة وأمّا الخامس فإن غاية ما تثبته الآيتان هو جواز تقاص المستضر من مال المضرّ بمساوي ما دخل عليه من الضّرر وأمّا دلالتهما على ضمان المضرّ أيضا فلا وتظهر الثمرة في آثارهما المختصة بهما إذ على تقدير ضمانه يكون ذلك دينا في ذمّته فيقدم بعد الموت على تقسيم تركته بين الورثة ويؤخذ من صلب المال بخلافه على تقدير المقاصة من دون ضمان لعدم الدّليل على بقاء هذا الحكم إلى ما بعد الموت وانتقال المال إلى الورثة الأمر السّادس أنّه إذا توجه ضرر إلى مكلّف وتوقّف دفعه على الإضرار بالغير أو توجّه ضرر إلى الغير وتوقف دفعه على تحمل الضّرر عنه لا يجوز إدخال الضرر على الغير في الأوّل ولا يجب تحمّله في
