بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله الأئمّة المعصومين ولعنه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدّين (قوله) المقام الثّاني في الاستصحاب إلخ سيجيء الكلام في كونه من الأدلّة أو القواعد أو الأصول وعلى التقادير في كونه شرعيّا وعقليّا بمعنى أن تكون له جهة شرعيّة وعقليّة أو شرعيّا محضا أو عقليّا كذلك (قوله) وهو لغة أخذ الشّيء إلخ إليه يرجع ما في القاموس استصحبه دعاه إلى الصّحبة ولازمه (قوله) وعند الأصوليّين إلخ أقول في كونه من قبيل النّقل الرّاجح أعني نقل الكلي إلى بعض أفراده أو النّقل المرجوح أعني نقل أحد المتباينين إلى الآخر إشكال وتحقيقه أن مدرك الاستصحاب إن كان أخبار عدم جواز نقض اليقين بالشّك فلا إشكال في كونه من قبيل الثّاني لأن الاستصحاب لغة كما ذكره المصنف رحمهالله أخذ الشّيء مصاحبا وفي الاصطلاح هو الحكم ببقاء المتيقن السّابق إلى زمان الشك وهذا المعنى على تقدير اعتباره من باب الأخبار ليس من أفراد المعنى اللّغوي إذ مرجعه حينئذ إلى حكم الشّارع ببقاء الحكم المتيقن السّابق للمكلّف إلى زمان شكه ولا ريب أنّ الشّارع ليس بمستصحب للحكم بمعنى أخذ شيء مصاحبا له ولا المكلّف كذلك بل الشّارع إنّما أصحب الحكم مع المكلّف فلا يكون من أفراد المعنى اللّغوي وإن كان هو العقل فكذلك أيضا لعدم كون العقل ولا المكلّف حينئذ مستصحبا لشيء بمعنى أخذهما شيئا مصاحبا لهما وإنّما صار الحكم مصاحبا للمكلّف بواسطة حكمه نعم يمكن اعتباره من أفراد المعنى اللّغوي حينئذ ادّعاء ومسامحة في النّسبة لأنّ العقل حيث كان محله المكلّف فيقال إنّه المستصحب للحكم إلى زمان الشكّ (قوله) أسدّها وأحضرها إلخ الوجه في الثّاني واضح وكذا في الأوّل لسلامة ما نقله ممّا يرد على غيره وكيف كان فما نقله المصنف رحمهالله منقول بزيادة قيد على ما كان وإليه يرجع ما نقله عن غاية المأمول بل عن الوافية وشارح المختصر أيضا بناء على كون الحدّ في كلامه هو الكبرى كما سنشير إليه لأنّ الظّاهر أن مآل الكلّ واحد ومرجع الجميع إلى الحكم ببقاء ما كان وإن اختلفت العبارات مع التسامح في بعضها كما في عبارة الوافية لأنّ الاستصحاب ليس التّمسّك لأنّ التمسّك هو الاستدلال والاستصحاب هو الدّليل وكيف كان فاعلم أنّ هنا أمورا لا بد من اعتبارها في الحدّ وقد خلا منها أكثر التّعاريف أحدها اعتبار الشكّ اللاحق وقد خلت تعاريفهم عنه ما عدا تعريف شارح المختصر وتعريف المحقق القمي رحمهالله الّذي صرّح المصنف رحمهالله بكونه أزيف التعاريف لأنّا إن فرضنا هنا دليلا قطعيّا دالا على كون ثبوت حكم في زمان علة تامة لثبوته في الزّمان اللاّحق فإذا حكم بثبوته في الزّمان اللاحق لأجل ثبوته في الزّمان السّابق لأجل هذا الدّليل صدق عليه أنّه إبقاء ما كان على ما كان بمعنى الحكم بثبوته تعويلا على ثبوته في السّابق وكذا تعريف الزّبدة بأنّه إثبات حكم في الزّمان الثاني تعويلا على ثبوته في الزّمان الأوّل وما ذكره المصنف رحمهالله من إشعار دخل الوصف في الموضوع بالعلية غير مجد في إخراجه من الحدّ مع فرض كون الوصف صريحا في العلية فضلا عن كونه مشعرا به مضافا إلى ما في الاكتفاء بالإشعارات في القيود المأخوذة في الحدود اللهمّ إلا أن يدعى ظهور لفظ الإبقاء في الحكم بالبقاء مع الشّك فيه فلا يشمل صورة الجزم كما يستفاد ممّا ذكره المصنف ره في الأمر الخامس وثانيها اعتبار تأخر زمان المشكوك فيه عن زمان المتيقن لا تأخر زمان وصف الشّك عن زمان وصف اليقين لإمكان اجتماع زمان الوصفين مع صحّة الاستصحاب فيه بل يمكن منع صحته في بعض موارد تأخر زمان الشك عن زمان اليقين كما إذا قطع يوم الجمعة بعدالة زيد في هذا اليوم وشك في يوم السّبت في عدالته في يوم الجمعة بأن احتمل في يوم السّبت كونه في يوم الجمعة جاهلا مركبا فإن زمان الشك حينئذ وإن كان متأخّرا عن زمان اليقين إلاّ أنّ المعتبر في جريان الاستصحاب تعلّق الشك المأخوذ في موضوعه ببقاء المتيقن السّابق لا بوجوده وبعبارة أخرى إنّ المعتبر فيه اختلاف زمان متعلّق الوصفين أعني المتيقن والمشكوك لا زمانهما ولذا لو قطع يوم السّبت بعدالة زيد يوم الجمعة وشك في زمان هذا القطع في عدالته يوم السّبت جاز استصحاب عدالته إلى يوم السّبت وإن اتحد زمان اليقين والشّك وعلى تعريف المحقق القمي وشارح المختصر يصدق أن عدالة زيد في المثال الأوّل كانت يقيني الحصول في الآن السّابق وشك في بقائها في الآن اللاّحق فيصح كونه مجرى للاستصحاب وليس كذلك نعم يصح الاحتراز عنه على تعريف المحقّق القمي رحمهالله بأخذ قيد البقاء فيه لأنّه فرع ثبوت أصل الوجود وعلى تعريف شارح المختصر بقوله في الحدّ قد كان لعدم صدق الكون مع سراية الشكّ إلى الوجود الأول وثالثها أن يتعلق الشكّ ببقاء المتيقن السّابق لا بوجوده وبعبارة أخرى أن لا يكون الشّكّ ساريا إلى الشّكّ في وجود المتيقّن السّابق وإلاّ فلا مجرى للاستصحاب وقد غفل عن هذا بعض الفحول فأجرى الاستصحاب في غير محلّه ومثاله من الأحكام الكليّة ما لو استنبط المجتهد في أوّل زمان اجتهاده شطرا من الأحكام وعمل برهة من الزّمان على طبق اجتهاده ثم حصّل حظا وافرا من العلم وتضاعفت قوته الاستنباطيّة فشكّ في صحّة اجتهاده السّابق لأنّ الشكّ في صحّته يوجب الشّكّ في ثبوت الأحكام الّتي كان معتقدا لها بحسب اجتهاد الأوّل فلا يمكن استصحاب هذه الأحكام إلى زمان الشكّ بل لا بدّ من المراجعة وتجديد النظر ومثاله من الموضوعات الخارجية ما عرفته من المثال الأوّل لعدالة زيد وإذا عرفت هذا فاعلم أنّ التعريف السّديد السّليم من جميع ما قدمناه وما يأتي أن يقال إنّه إبقاء مشكوك البقاء لكونه متيقنا ولا يرد عليه الشّك السّاري لكون الشكّ فيه في أصل وجود شيء لا في بقائه ولا الاستصحاب القهقرائي أعني ما تقدّم الشكّ فيه على اليقين كما سيجيء في محلّه لعدم الشك في البقاء فيه أيضا وإن شئت قلت إنّه إبقاء مشكوك البقاء بلحاظ كونه متيقنا ليكون صريحا في إخراج قاعدة البراءة والاشتغال لعدم كون الحكم ببقاء المشكوك فيه في مورد البراءة بلحاظ البراءة الثابتة في حال الصّغر والجنون بل من حيث كون الشّك فيه في التكليف خاصّة وكذا الحال في قاعدة الاشتغال لأنّ الحكم ببقاء المشكوك فيه في موردها إنّما هو لأجل العلم بثبوت الحكم أولا ثم الشّكّ في الخروج من عهدة امتثاله فالشّك اللاّحق فيه جزء علّة لحكم العقل بالاشتغال بخلاف
