سابقا أن المتعين في معنى الرّواية هو المعنى الأوّل فنقول حينئذ إنّه إذا أتلف مال الغير فتدارك ضرر صاحب المال إمّا من مال المتلف أو المسلمين أو بيت المال أو من جانب الله تعالى في الدنيا أو الآخرة وما عدا الأوّل باطل أمّا الثّاني فلاستلزامه لتضرّر المسلمين ولا تزر وازرة وزر أخرى وأمّا الثّالث فإنّ بيت المال معدّ للمصالح العامة للمسلمين لا لكلّ مصلحة لهم والضّرر هنا غالبا حاصل لخصوص بعض المسلمين نعم لو فرض أنّ شخصا أوصى بثلث ماله أو بشيء منه لمثل ذلك أو لمطلق مصالح المسلمين جاز جبره منه وأمّا الرّابع فإنّ التدارك في الدّنيا خلاف الوجدان وأمّا في الآخرة ففيه مضافا إلى أصالة عدمه أنّ الظاهر بل المقطوع به أنّ المراد تداركه في الدنيا كيف لا ولو أريد تداركه في الآخرة انقلب التكليف في موارد الضّرر إلى استحباب الإضرار بالمسلمين لكونه سببا للأجر الأخروي بإزاء ما دخله من الضّرر وهو خير من الدّنيا وما فيها مع أنّ ملاحظة الأخبار المتقدّمة سابقا الواردة في بيان هذه القاعدة تعطي خلاف ذلك ولذا أمر النّبي صلىاللهعليهوآله في قصّة سمرة بقلع عذقه وقال إنك رجل مضارّ وكذا الصّادق عليهالسلام حكم بالشفعة لنفي الضّرر العائد إلى الشفيع وكذلك في رواية هارون بن حمزة قد حكم لمعطي الدّرهمين بخمس ما بلغ من القيمة لنفي الضّرر فلم يحكم في شيء من هذه الأخبار برفع الضّرر الحاصل بالثواب الأخروي والمجازاة الأبديّة فإن قلت إن إثبات الضّمان حينئذ لا يكون بمجرّد قاعدة نفي الضّرر بل بها بضميمة ما عرفت من حصر التّدارك في مال المتلف مثلا قلت نعم وليس المقصود أيضا إثبات الضّمان بقوله صلىاللهعليهوآله لا ضرر ولا ضرار بدلالته اللّفظية من دون مدخلية شيء آخر أصلا فتدبّر هذا كلّه مضافا إلى أن تتبع موارد الضّمانات والغرامات الثابتة شرعا واستقرائها يعطي ثبوت الضمان على الضّارّ والغارّ دون غيرهما وقد حكموا فيمن وطئ بهيمة الغير بضمان الواطي قيمتها وكذا فيمن باع أمة بدعوى الوكالة في بيعها ثم استولدها المشتري ثم تبين كذبه في دعوى الوكالة فحكموا بضمان مدعي الوكالة للمشتري إذا رجع المالك إليه بأرش البكارة وقيمة الولد وهكذا في غير ذلك من موارد الضمانات والغرامات وناهيك شاهدا بصحيحة البزنطي من ضر بشيء من طريق المسلمين فهو ضامن ومثلها ما رواه المشايخ الثلاثة وصحيحة الكناني المتقدمة وهي دالّة على الضمان مع التّسبيب ومع المباشرة بطريق أولى هذا إن جعلت كلمة من فيها بمعنى في وإلاّ فإن بقيت على ظاهرها يفيد المباشرة نعم رواية الثلاثة صريحة في صورة التسبيب ويدلّ عليه أيضا آيات من الكتاب العزيز قال الله تعالى في سورة النحل (وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ) وقال جل وعلا في سورة البقرة (فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ) وفي سورة الشّورى (جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها) ومن ذلك يظهر أيضا عدم جواز دفع الضّرر في مسألة التغريم وبيع المعيب والمغبون فيه من مال المسلمين أو بيت المال أو من جانب الله تعالى في الدنيا أو الآخرة نعم بقي احتمال دفعه في مسألة البيع بإثبات الأرش أو فساد العقد من رأس ويرد على الأوّل أن إثبات الأرش ضرر على البائع لأنّه بعد انتقال الثمن إلى البائع والمثمن إلى المشتري بالعقد اللاّزم كما هو الفرض فالرّجوع إلى البائع بالأرش إدخال نقص عليه مع أن إثبات الأرش تدارك للضّرر لا رفع له وقد تقدّم في بعض الأمور السّابقة أنّ قوله صلىاللهعليهوآله لا ضرر ولا ضرار وارد في مقام بيان دفع الضّرر لا إثباته والأمر بتداركه وعلى الثّاني أنّك قد عرفت سابقا أنّه لا بدّ في نفي الحكم الضّرري من الاقتصار على ما يندفع به الضّرر الحاصل من ثبوت الحكم ولا شكّ أنّ الضّرر هنا حاصل من لزوم العقد فلا بدّ أن يكون المنفي لزومه مع بقاء جوازه لا فساده من رأس الأمر الرّابع أن ظاهر قوله صلىاللهعليهوآله لا ضرر ولا ضرار في الإسلام هو نفي الضّرر الواقعي بمعنى نفي الحكم المستلزم له في الواقع سواء كان المكلّف عالما به أو شاكّا فيه أو معتقدا للخلاف فيكون عدم الضّرر حينئذ من الشرائط الواقعيّة للعبادات نظير الطهارة بالنسبة إلى الصّلاة فإذا توضأ مع اعتقاد عدم التضرّر باستعمال الماء ثمّ انكشف خلافه فلا بدّ من الحكم بالبطلان ولكن بناء الفقهاء في العبادات على خلافه حيث يعتبرون العلم بالضّرر أو الظنّ به وعدمهما في الصّحة والبطلان وعليه يكون عدم الضّرر من الشّرائط العلميّة دون الواقعيّة نعم قد جروا في المعاملات على مقتضى ظاهر لفظ الرّواية ولذا حكموا بخيار الغبن والعيب بقاعدة نفي الضّرر ولو مع اعتقاد المشتري عدمهما حين البيع ثمّ انكشف خلافه فحكموا بثبوت الخيار من حين البيع لا من حين ظهور الغبن والعيب ولذا ذكروا الغبن والعيب من أسباب الخيار لا ظهورهما ويمكن دفع الإشكال عن العبادات أيضا بما نبّه عليه المصنف رحمهالله في رسالته المفردة وحاصله مع توضيح مني أنّ قوله صلىاللهعليهوآله لا ضرر ولا ضرار في الإسلام وارد في مقام بيان المنة على هذه الأمّة ولا منة في رفع الأحكام الواقعيّة الثّانية لأنّ المنّة إنّما تحصل برفع حكم ضرري بحيث لو لا رفعه توجّه التكليف به إذا لا ضرر على العباد مع عدم توجّهه إليهم والأحكام الفعلية دونها بل رفع الأحكام الواقعيّة الثّانية ربّما يوجب الضّرر على العباد لأنّه إذا فرض ارتفاع وجوب الوضوء في الواقع مع تضرّر استعمال الماء في الواقع واتفق أنّ مكلّفا صلّى عشرين سنة ثم انكشف تضرّره بجميع الوضوءات الّتي صلّى بها فلا ريب أنّ الحكم ببطلان الصّلاة في هذا المدّة ووجوب قضائها ثانيا ضرر فاحش عليه ومناف للمنّة فالأوفق لها رفع الأحكام الفعليّة دون الواقعيّة فيكون عدم العلم بالضّرر أو الظنّ به شرطا في فعليّة الأحكام وتوجّههما إلى المكلّفين لا الضّرر الواقعي خاصّة في تحقق الحكم الواقعي كذلك وحينئذ يكون اعتبارهم للضّرر الواقعي في المعاملات ثابتا على خلاف القاعدة فتدبّر الأمر الخامس أنّه لا إشكال في نفي الأحكام الوجوديّة بقاعدة نفي الضّرر تكليفية كانت أم وضعيّة وأمّا إذا ترتب ضرر على عدم الحكم في مورد كما إذا حبس الدّابة فمات ولدها أو قبض الرّجل فشردت دابته أو فتح قفس طائر فطار لأنّ الحكم بعدم الضّمان يوجب تضرّر صاحب المال ففي ثبوت الضّمان في أمثال هذه الموارد إشكال نعم يظهر التمسّك بالقاعدة في إثباته من صاحب الرّياض هذا مع قطع النظر عن اندراج هذه الموارد تحت عنوان موجب للضمان كالإتلاف ونحوه أو بناء على عدم العلم بكون السّببيّة في هذه الموارد سببا للضمان إذ كل سبب للإتلاف بعيدا كان أو قريبا ليس موجبا له بل المدار على صدق الإتلاف عرفا وعلى التّسبيبات في الجملة كما أشرنا إليه سابقا ولذا لم يحكم بعضهم بالضمان في هذه الموارد وكذا فيما حفر بئرا في ملكه أو في الأراضي المباحة فوقع فيه غيره ووجه الإشكال عدم دلالة نفي الضّرر على معانيه الأربعة المتقدّمة على ثبوت الضّمان هنا بل وعلى معنى خامس أيضا قد أهملنا ذكره هناك وهو أن يكون المراد بقوله صلىاللهعليهوآله لا ضرر ولا ضرار في الإسلام نفي الضّرر في الأحكام الأولية بمعنى كونها بأسرها منافع بالنسبة إلى المكلفين وليس فيها ضرر على العباد أصلا لأنّ الكلّ غير
