قد أهملها المصنف رحمهالله لا بأس بالإشارة إليها تتميما للمقام وتكميلا للمرام الأمر الأوّل أنّه إذا قلنا بالبراءة أو الاحتياط عند الشك في الجزئية والشرطية فمقتضى الأوّل ليس إلاّ مجرّد نفي ترتب العقاب على ترك المأمور به الواقعي على تقدير جزئية المشكوك فيه أو شرطيته لا نفي الجزئية والشّرطية في الواقع والظّاهر لأن هذا هو القدر المتيقن من حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان وكذا المنساق من أخبار البراءة ليس بأزيد من ذلك لأنّ مساقها بيان حكم العقل ومقتضى الثّاني أيضا ليس إلاّ مجرّد الإتيان بالمشكوك فيه تحصيلا لليقين بالبراءة عن الواقع لأن حكم العقل والشّرع به إرشادي والمصلحة فيه ليست إلاّ ما ذكرناه لا إثبات الجزئية أو الشّرطية في الواقع أو الظّاهر ويتفرّع على هذا أمور منها حكومة سائر الأدلّة المثبتة أو النّافية للجزئية أو الشّرطية على البراءة والاحتياط في المقام لأنّه إذا دلّ دليل وإن كان هو الاستصحاب على إحداهما فأصالة البراءة إنّما تدلّ على عدم العقاب من جهة قبح التكليف بلا بيان والفرض وصول البيان حينئذ بقيام الدّليل وافقها أم خالفها وأمّا على القول بالاحتياط فإنّك قد عرفت أن مقتضاه الإتيان بالمشكوك فيه من باب المقدّمة العلميّة لتحصيل الواقع ومع قيام الدّليل الموافق أو المخالف يحصل العلم التفصيلي ولو شرعا بالواقع فلا مسرح حينئذ لقضية المقدّمة العلميّة الّتي هي فرع الجهل بالواقع ومن هنا يظهر أنّه إن ورد الأمر بمركب وشك في كون شيء جزءا له أو شرطا له وكان متمكّنا من تحصيل المشكوك فيه ثم تعذر عليه ذلك كما إذا كان مكلفا بعتق الرّقبة وشك في اشتراط الإيمان فيها مع تمكنه من تحصيلها ثم تعذر عليه ذلك وتمكن من تحصيل الكافرة فعلى القول بالاحتياط عند الشكّ في الأجزاء والشّرائط يجب عليه الإتيان بفاقد المشكوك فيه كالكافرة في المثال لأن اقتضاء الاحتياط الإتيان بالمشكوك فيه عند التمكن منه لا يثبت كونه جزءا من المأمور به أو شرطا له حتّى يقتضي تعذر الجزء أو الشّرط تعذر الكلّ أو المشروط لأنّ غاية ما تدلّ عليه قاعدة الاشتغال وجوب الإتيان بالمشكوك فيه عند التمكن منه من باب المقدمة العلميّة فإذا تعذر عليه وجب عليه الإتيان بالباقي تحصيلا لليقين بالبراءة عن التكليف بالمجمل بل استصحاب التكليف الثابت أوّلا يثبت ذلك إن قلنا باعتبار الأصول المثبتة ومنها أنّه لو ضاق الوقت في الموقت ودار الأمر بين ترك المشكوك الشرطية أو الجزئية وترك معلوم الجزئية أو الشرطية فعلى القول بوجوب الاحتياط يتعين ترك المشكوك فيه لفرض عدم دلالة قاعدة الاشتغال على جزئيته أو شرطيته حتّى يعارض تركه ترك غيره بل غايتها الدّلالة على وجوب الإتيان به لاحتمال جزئيته أو شرطيته في الواقع ولا ريب أن ترك ما يحتملهما لا تعارض ترك ما علمت جزئيته أو شرطيته عند دوران الأمر بينهما ومنها أنّه لو لم يتمكن المريض من الإتيان بتمام المأمور به واضطر إلى ترك بعض أجزائه أو شرائطه فالكلام فيه كسابقه ومنها أنّه لو نذر الإتيان بعبادة أو شرط عليه ذلك في ضمن عقد لازم ثم شكّ في جزئية شيء له أو شرطيته له لا يحصل الوفاء بالنذر والشّرط إلاّ بالإتيان بالمشكوك فيه وإن قلنا بالبراءة عند الشكّ في الأجزاء والشرائط لما عرفت من أنها لا تنفي الجزئية والشّرطية وأن غايتها نفي العقاب من جهة ترك المشكوك فيه والمفروض أن المنذور والمشروط هي العبادة الواقعية فلا يحصل الوفاء بهما إلاّ بما ذكرناه ومنها أنّهم قد اشترطوا في لزوم وقف المسجد إيقاع صلاة فيه فعلى القول بالصّحيح إذا صلّى أحد فيه صلاة وترك فيها ما شك في كونه جزءا لها لا يلزم بها الوقف لما عرفت من عدم دلالة أصالة البراءة على نفي الجزئية والفرض أنّ شرط لزومه إيقاع صلاة واقعية أو ظاهرية فيه اللهمّ إلا أن يريدوا بها ما كان مبرئا للذمة ولو بإعمال الأصول فيها لا ما كان صلاة في الواقع والظّاهر الأمر الثاني أنّه إذا علم اعتبار شيء في عبادة أو غيرها وشك في كون اعتباره فيها من حيث كون وجوده شرطا في صحتها أو عدمه مانعا منها فأصالة عدم الشّرطية تعارضها أصالة عدم المانعية لما تقدّم من المصنف رحمهالله من كون كلّ واحدة منهما موردا لأصالة البراءة ولا يترتب عليه ثمرة مع فرض كون الشبهة حكمية للقطع بصحة العبادة مع الإتيان به وببطلانها مع الإخلال به سواء كان وجوده شرطا في الواقع أم عدمه مانعا كذلك نعم تظهر الثمرة فيما كانت الشبهة موضوعية وذلك لأنّه قد ثبت فيما كان لباس المصلّي من أجزاء الحيوان أن يكون من مأكول اللّحم فإذا تردّد الأمر بين كون ذلك شرطا وعدمه مانعا وصلّى في لباس مردّد بينهما بحسب الموضوع فعلى الشرطية يحكم ببطلانها لعدم العلم بتحقق شرطها بل الأصل عدم تحقق العبادة المشروطة في الخارج ولذا قال في محكي المنتهى لو شك في كون الصّوف أو الشّعر أو الوبر من مأكول اللّحم لم تجز الصّلاة لأنها مشروطة بستر العورة بما يؤكل لحمه والشكّ في الشّرط يقتضي الشك في المشروط انتهى وعلى المانعية يحكم بصحتها لأصالة عدم المانع ولعله إليه ينظر ما أورده على ما عرفته من المنتهى في محكي البيان والمدارك والذخيرة بأنّه يمكن أن يقال إنّ الشّرط ستر العورة والنّهي إنّما تعلق بالصلاة في غير المأكول فلا يثبت إلاّ مع العلم بكون السّاتر كذلك وأيدوه بعموم أدلّة البراءة نعم لو كان عدم المانع شرطا لم يجد الأصل المذكور في المقام إذ أصالة عدم المانع غير مجد في إحراز الشّرط ولذا قد استشكل بعض من عاصرناه في الصّلاة في الماهوت المصنوع في بلاد الإفرنج في أمثال زماننا لما وصل إليه من مزجهم به الصّوف من غير مأكول اللّحم لا يقال الأصل عدم المزج لأنا نقول إن أريد عدم المزج بهذا الثّوب فهو غير مسبوق بالعدم وإن أريد عدم المزج مطلقا فهو إنّما يثبت عدم المزج في هذا الثّوب على القول بالأصول المثبتة فإن قلت إن بنيت على هذا لم تصح الصّلاة في شيء من الأثواب وإن كان مصنوعا في بلاد الإسلام لاحتمال سقوط شعر واحد من غير المأكول اللحم في الصّوف أو القطن أو الكتان المصنوع منه ولا سبيل إلى سدّ هذا الاحتمال إلاّ الأصل المذكور قلت نعم إلا أن هذا احتمال لا يعتني به العقلاء والاطمئنان حاصل بالعدم في الغالب مع أنّه يمكن أن يقال إذا كان العمل مبنيا على نسج الثوب من أجزاء ما يؤكل لحمه فمجرّد احتمال سقوط شعر أو شعرات من غير مأكول اللّحم فيه أو احتمال مزجه فيه من بعض الصّائغين أو غيرهم غير مضرّ في المقام إن سلم إضراره في غيره لاستمرار السّيرة عليه في جميع الأصقاع والأعصار نعم يمكن أن يقال بمثله في الماهوت أيضا لشهادة التجار بعدم بنائهم على المزج وهذه الشهادة وإن لم تفد في خصوص الثّوب الّذي أريد إيقاع الصّلاة فيه ما لم تتعلّق به إلا أنّه يأتي فيه أيضا ما عرفته من سيرة المسلمين سيما الورعين من العلماء لأنا ما سمعنا إلى الآن أحدا يجتنب عن ثوب لأجل هذا الاحتمال مع قيامه في أغلب الموارد ولعلّ الاعتناء به يعدّ من الوسواس الأمر الثّالث أنه إذا دار الأمر بين كون شيء واجبا نفسيّا أو غيريا فهل الأصل يقتضي الأوّل أو الثّاني قولان اعلم أن هنا صور الأولى أن يعلم كونه نفسيّا وشكّ
