الفرد في الخارج بل كونها عينه نعم لما كانت الخصوصيّة في القسم الأوّل حاصلة من تقيّد المأمور به بالأمر المنتزع من أمر خارجي فيكفي في نفي وجوبها نفي وجوب منشإ انتزاعها وإن كان غيريا بخلاف الخصوصيّة في القسم الثّاني فإنها لما لم تكن متصفة بالوجوب ولو من باب المقدّمة ولم تكن منتزعة من أمر خارجي كي يكتفى في نفي وجوبها بنفي وجوبه لا تكون موردا لأصالة البراءة ومن هنا يظهر الوجه فيما ادعاه المصنف رحمهالله من كون المطلق والمقيّد من قبيل المتباينين في عدم قدر مشترك متيقن في البين حتّى يؤخذ به وينفي المشكوك فيه بالأصل لأن دعوى القدر المشترك إنّما تتم مع مغايرة الطبيعة للخصوصيّة المشكوكة إذ يصحّ حينئذ أن يقال في مثال العتق إن امتثال الأمر بالطبيعة على تقدير وجوبها في الواقع حاصل بعتق كل من المؤمنة والكافرة فينفي احتمال وجوب الخصوصيّة ولو من باب المقدّمة بالأصل بخلاف ما لو قلنا باتحادها مع الخصوصيّة إذ الآتي بالكافرة حينئذ تارك للمأمور به رأسا على تقدير كون الواجب في الواقع هي المؤمنة إذ الفرض أنه ليس في الواقع على تقدير وجوب عتق المؤمنة وجوبان أحدهما متعلق بالطبيعة ولو في ضمن الفرد والآخر بنفس الفرد حتى تصحّ دعوى اندراج الأقلّ تحت الأكثر ويدعى أن وجوب الأقل معلوم وإن كان مردّدا بين النفسي والغيري ووجوب الأكثر مشكوك فينفي بالأصل نظير ما تقدّم في الشك في الجزئية بل الموجود في الواقع على تقدير وجوب عتق المؤمنة ليس إلاّ وجوب واحد متعلّق بعتق المؤمنة فالآتي بالكافرة حينئذ تارك للمأمور به رأسا لا محالة ومن طريق ما بيّناه يظهر أنّ مراد المصنف رحمهالله بكون ما نحن فيه من قبيل المتباينين هو نفي كونه من قبيل الأقل والأكثر بحيث يندرج الأقل تحت الأكثر حتّى يثمر في عدم جريان حكمها وهي البراءة فيه لا دعوى كونه من قبيل ما دار الأمر فيه بين أمرين متباينين نظير الظهر والجمعة لوضوح دوران الأمر فيما نحن فيه بين وجوب خصوص فرد معين ووجوب الطبيعة المقيدة بإحدى الخصوصيتين المتحدة معها في الخارج وهذا وإن لم يعد أمرين متباينين إلاّ أنّه في حكمهما في كون أصالة البراءة عن وجوب أحدهما معارضة بأصالة البراءة عن وجوب الآخر بعد ما عرفت من عدم تحقق قدر مشترك بينهما وأما ما تنظر به المصنف قدسسره فيما قدّمناه من أن مقتضى أدلة البراءة من العقل والنقل نفي الإلزام بما لا يعلم ورفع كلفته وأن المقيد يشمل على كلفة زائدة وإلزام زائد على ما في التكليف بالمطلق وإن كان المطلق عين وجود المقيد في الوجودات الخارجة فمنظور فيه أمّا أوّلا فإنه إن أراد بنفي الإلزام الزّائد نفي إلزام زائد على إلزام الطبيعة بمعنى أن يتعلق بالمقيد على تقدير كونه هو المكلّف به في الواقع إلزامان أحدهما بالطبيعة والآخر بالخصوصيّة ففيه أنّك قد عرفت عدم قابلية الخصوصيّة لتعلق إلزام مستقل بها وإن أراد به نفي تعلق إلزام الشّارع بالمقيد الّذي يزيد على الطبيعة في الوجود ليثبت به تعلّقه بالطبيعة ففيه أنّه لا يتم إلاّ على القول بالأصول المثبتة فتأمل وأمّا ثانيا فإن أصالة البراءة لو نهضت لنفي التكليف عمّا كانت فيه زيادة كلفة لنهضت دليلا على اعتبار أصل مؤسّس في كتب القوم من الأخذ بالأخف عند دوران الأمر بينه وبين الأثقل وإن كان بينهما تباين كلي ولا يقول به المصنف رحمهالله ولذلك لم يفصل في المتباينين بذلك وأمّا ثالثا فإن مقتضى أدلّة البراءة مثل قوله عليهالسلام الناس في سعة ما لا يعلمون نفي الضّيق الحاصل من جهة الحكم المجهول لا من جهة الكلفة الحاصلة في نفس المكلّف به والفرق بينهما واضح لأن نفس إلزام المكلّف بشيء سواء كان هذا الشيء في نفسه خفيفا أم ثقيلا لما كان ضيقا على المكلّف رفعه الشّارع عند الجهل به وهو لا يستلزم نفي التكليف فيما كان الضيق حاصلا من جهة نفس المكلف به ومن هنا يظهر أن تمسّك بعضهم بأصالة البراءة فيما لو توقف الوضوء أو الغسل من الجنابة مثلا على شراء الماء بأضعاف قيمته ليس في محلّه لأنّه من موارد قاعدة الضّرر والعسر دون البراءة كما يظهر ممّا قدّمناه وكيف كان فالأولى في تقرير وجه النّظر ما قرّره بعض مشايخنا من أنّ الطبيعة وإن كانت عين أفرادها وأنّ الخصوصيّة من حيث هي غير قابلة لتعلق حكم بها إلاّ أنّه مع دوران الأمر بين تعلق التكليف بالطبيعة وتعلقه بفرد خاص منها يعدّ العبد في نظر أهل العرف مكلفا بالطبيعة يقينا وبالخصوصيّة الخاصّة شكّا وإن لم يكن لذلك أصل وحقيقة عند ذوي الأفهام الدقيقة إلاّ أنّ المحكم في أمثال المقام هو العرف فكان الأمر بالمقيد عندهم أمر بمتعدد أعني الطّبيعة وقيدها فكلّ منهما في نظرهم محلّ للتّكليف ومورد له ولذا تراهم يزعمون في الأوامر المتعلقة بالطبائع كون الطبيعة متّصفة بالوجوب العيني والأفراد بالوجوب التخييري العقلي وهذا ليس إلاّ مبنيّا على ما ذكرنا من مغايرة الطبيعة للخصوصيّة في نظرهم وإن اتحدا عند التحقيق فإذا فرض وجود الطبيعة مع قطع النّظر عن الخصوصيات الخارجة ولو في نظرهم وحصل الشّكّ في تعلق التكليف بها لا بشرط حصولها في ضمن فرد خاص أو بشرط حصولها كذلك ينحلّ العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي وشك بدوي فينفي وجوب المشكوك فيه بالأصل التفاتا إلى ما يقتضيه نظر أهل العرف وإغماضا عما يقتضيه العقل الدّقيق ولا بدّ من الالتزام بذلك إذ لولاه لم تجر أصالة البراءة في القسم الأوّل أيضا أعني ما كان الشّرط فيه منتزعا من أمر خارجي كالطهارة بالنّسبة إلى الصّلاة لأنّ شرط الصّلاة ليس نفس الوضوء ولا الطهارة الحاصلة منه من حيث هي بل الشّرط هو وقوع الصلاة في حال طهارة المصلي وهذه الخصوصيّة متحدة مع طبيعة الصّلاة في الوجود الخارجي فلا تصلح لتعلق تكليف بها مغايرا للتكليف بالطبيعة كما أسلفناه ومجرّد وجود منشإ انتزاع لها غير مجد في المقام كما أوضحه المصنف رحمهالله فجريان البراءة هنا أيضا لا يتم إلا بالالتزام بما قدّمناه من المسامحة العرفية لأنّ العرف هو المحكم في باب الإطاعة والامتثال هذا كلّه فيما دار الأمر فيه بين التعيين والتخيير العقلي ومن طريق ما بيّناه يظهر أن الأمر فيما دار الأمر فيه بين التّعيين والتخيير الشّرعي أشكل لأن أحد طرفي العلم الإجمالي هناك لمّا كان هي الطبيعة أمكن أن يقال بكونها متيقنة والخصوصيّة مشكوكة لتغايرهما ذهنا وإن اتحدتا وجودا فينفي المشكوك فيه بالأصل بخلافه هنا لأنّ التّرديد والدّوران فيه بين تعلق التكليف بفرد خاصّ وتعلّقه بأفراد مخصوصة على سبيل التخيير والبدليّة فجريان أصالة البراءة في الفرد الخاصّ المعيّن معارض بجريانها في الواحد المخيّر فيه وليس هنا جامع متيقن يؤخذ به وينفي وجوب المشكوك فيه بالأصل وتوضيح ذلك أنّهم قد اختلفوا في الواجب التخييري على أقوال والمتيقن منها قولان للمعتزلة والأشاعرة لأنّ المعتزلة
