وإلا كنّا مخيّرين بين الأقوال المختلفة لفقد دليل التعيين ويقرب منه كلام الشيخ في مبحث اختلاف الأمّة على القولين فصاعدا حيث نقل فيه قولا يطرح القولين والرّجوع إلى مقتضى الأصل واختار هو القول بالتخيير لأنّه أيضا يشمل ما نحن فيه ولعلّ المتتبّع يجد غير ما ذكرناه أيضا بل ما ورد من الأخبار الدّالّة على التخيير فيما تعارض فيه نصّان يشمل المقام أيضا وهذا غاية ما يمكن أن يقال في المقام وهو بعد ما يخلو من نظر بل منع لأنا نقول بترتب العقاب على مخالفة الواقع المعيّن عند الله المجهول عندنا ولا قبح فيه أصلا بعد استقلال العقل بعدم الفرق بين العلم التفصيلي والإجمالي في صحّة تنجّز التّكليف بكل منهما كما قرّره المصنف رحمهالله في المقصد الأوّل من مقاصد الكتاب ودعوى الفرق بين الشّبهة المحصورة وما نحن فيه ممّا لا يصغى إليه إذ مجرد العلم بعنوان الحكم في الأولى لا يوجب الفرق بعدم العلم بوجوب أحد الأمرين فيما نحن فيه أيضا بحيث يقطع بعدم رضا الشّارع بمخالفته أصلا كيف لا والمناط في حكم العقل بوجوب الاحتياط في الأولى ليس إلاّ تحصيل العلم بامتثال المراد الواقعي للشّارع مع العلم بنوع التكليف وهو حاصل فيما نحن فيه أيضا ومجرّد العلم بعنوان الحكم في الأولى لا يصلح فارقا عند العقل وأمّا ما تقدّم من استفادة القول بالتخيير من إطلاق كلام السّيّد والشّيخ ففيه أنّ هذه العناوين المستحدثة في كتب أواخر أصحابنا مطويّة في كتب المتقدّمين عليهم ولعلّهم غير ملتفتين إلى هذه العناوين وإلا تعرضوا لها في كتبهم أيضا ولعل السّيّد والشّيخ بعد عرض عنوان هذه المسألة ومضاهيها عليهما لا ينكران القول بوجوب الاحتياط فيهما لما ركز في العقول من اعتبار العلم الإجمالي كالتفصيلي وبالجملة أن التمسّك بذيل مثل هذا الإطلاق غير مجد في المقام لعدم الاطمئنان به كما لا يخفى وأمّا إطلاق أخبار التخيير فيما تعارض فيه نصّان ففيه أنا لا نمنع من القول بالتخيير فيما ثبت بالدّليل وإنّما الكلام فيما خلا منه كما أشار إليه المصنف رحمهالله في الجواب عمّا أورده على نفسه هذا كلّه مع أن مقتضى منع ترتب العقاب على ترك كلّ واحد من المشتبهين ولا على العنوان المردّد ولا على نفس الواقع هو جواز المخالفة القطعيّة والفرض في المقام الفراغ من بطلانه ولا معنى حينئذ لترتّب العقاب على ترك مجموع الأمرين لعدم خلوه من أحد الأمور المذكورة عند التأمّل (قوله) لأنّ العمل بها إلخ حاصله أنّ هنا ثلاثة أفراد تشمل الأخبار المذكورة واحدا منها بمفهومه وفردين بمنطوقهما الأوّل هو الفرد المعلوم إجمالا والآخران الأمران اللذان اشتبه الواجب بينهما ففي مثل الظهر والجمعة قد علمنا بوجوب واحدة منهما في نفس الأمر ومقتضى قوله عليهالسلام النّاس في سعة ما لا يعلمون وما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم هو عدم وضع هذا الفرد عنّا وكوننا مأخوذين به وملزمين عليه وعدم التّوسعة علينا فيه ومقتضى منطوقهما كون وجوب خصوص الظّهر والجمعة موضوعا عنّا ونحن في سعة منه وهما غير واجبتين علينا لكن دلالة المفهوم على عدم كون الفرد المعلوم وجوبه إجمالا موضوعا عنّا دليل علميّ بضميمة حكم العقل بوجوب المقدّمة العلميّة على وجوب الإتيان بكل من الخصوصيّتين فالعلم بوجوب كلّ واحدة منهما لنفسه وإن كان محجوبا عنّا إلا أنّ العلم بوجوب كل واحدة من باب المقدّمة ليس محجوبا عنا ولا منافاة بينهما كما لا منافاة بين عدم الوجوب النفسي واقعا والوجوب الغيري كذلك في سائر المقامات وممّا ذكرناه قد تبين أنّ أخبار البراءة في المقام حجّة لنا لا علينا هذا غاية توضيح كلامه وهو بعد لا يخلو من نظر لأنّ استفادة فرد ثالث من هذه الأخبار لا يخلو من منع لأن غاية ما يستفاد من قوله عليهالسلام الناس في سعة ما لا يعلمون كون العلم بالحكم الواقعي غاية للحكم بالإباحة الظاهريّة لمجهول الحكم فما يفيده الخبر بمفهومه هو بيان غاية الحكم المذكور فيه بمعنى نفيه عن الموضوع المذكور في منطوقه عند زوال وصف الجهالة عنه كما هو ضابط أخذ المفهوم المخالف فالفرد المنفي عنه الحكم في طرف المفهوم هو عين الفرد الذي ترتب عليه الحكم في طرف المنطوق غاية الأمر أن يكون ترتب حكم المنطوق عليه عند وصف الجهالة وحكم المفهوم عند زوالها فالموضوع واحد وإن اختلف حكمه بحسب اختلاف حالاته وإن شئت تطبيقه على مثال الظّهر والجمعة نقول إنّهما غير واجبتين مع ملاحظة كون كلّ واحدة منهما مجهولة الحكم بالخصوص إلى أن يحصل العلم بوجوب إحداهما المعينة في الواقع وبعد العلم به يرتفع عنهما الحكم الظاهري الثابت لهما بوصف الجهل فليست هنا أفراد ثلاثة حتّى يكون أحدهما موردا لحكم المفهوم والآخران لحكم المنطوق كيف لا والمعلوم الإجمالي لا يخرج من المشتبهين لأنّه أحدهما في الواقع هكذا قرّر المقام بعض مشايخنا وفيه نظر لمنع كون مقصود المصنف ره إثبات وجود فرد ثالث مغاير للمشتبهين بالذّات يكون موردا لحكم المفهوم لوضوح أن مقصوده دعوى كون العلم المأخوذ غاية للحكم المذكور في هذه الأخبار أعم من التفصيلي والإجمالي ومقتضاه وقوع التعارض بين المنطوق والمفهوم لأنّ مقتضى الأوّل إباحة كل من المشتبهين إذا لوحظ بنفسه ومقتضى الثّاني وجوب كل منهما من باب المقدّمة العلميّة لامتثال الواجب المعلوم إجمالا بل لا منافاة بينهما في الحقيقة لعدم تنافي إباحة الشيء من حيث كونه مجهول الحكم ووجوبه من باب المقدّمة العلميّة فليس في كلامه من حكاية تثليث الأفراد عين ولا أثر ومع التسليم فلا بدّ أن يكون مراده فرض المشتبهين بوصف اشتباهما فردين والواحد المعيّن في الواقع باعتبار كونه معلوما بالإجمال فردا ثالثا فيكون اختلافها بالاعتبار لا بالذّات وهذا الاختلاف الاعتباري لا يضر في اشتراط اتحاد موضوع حكم المنطوق والمفهوم كما لا يخفى نعم ربما أورد على المصنف رحمهالله أنّ ظاهر قوله ولا منافاة بين عدم وجوب الشّيء ظاهرا لذاته ووجوبه ظاهرا من باب المقدّمة إلى آخر ما ذكره كون الشيء المجهول الحكم مباحا بالذات وواجبا من باب المقدّمة العلميّة في محلّ الفرض ومقتضاه فرض وجود شأني للحكم الظّاهري كالواقعي وليس كذلك لكون وجودات الأحكام الظّاهريّة في الواقع تابعة لوجوداتها الفعلية بمعنى عدم وجود لها في الواقع إلاّ في مقام فعليتها وتنجزها وأنت خبير بأنّه يمكن أن يريد بعدم منافاة وجود الشيء ظاهرا لذاته ووجوبه مقدّمة عدم وجوبه لو لم يكن مقدّمة لواجب لا اجتماع الإباحة الظّاهريّة والوجوب الظّاهري في مورد فتدبّر ويمكن القول بجواز اجتماعهما في المقام بناء على القول بكون الأحكام الظّاهرية مجعولة لتغاير موضوع الإباحة والوجوب في مورد اجتماعهما كما لا يخفى (قوله) نظير ذلك مطلق إلخ حاصله
