إلى كونها خبرا واحدا لا تعارض المتواتر وفيه أن فيه اعترافا بظهور الدّلالة وسيجيء بيان ضعف دلالة أخبار الاحتياط على الوجوب فلا وجه لالتماس التّرجيح بعد فرض ضعف الدّلالة مضافا إلى أنّه مع ذهاب معظم أصحابنا بل كلّهم سوى طائفة قليلة إلى البراءة لا وجه لحمل الخبر على التقيّة وإن كانت البراءة مذهبا للعامة أيضا وثانيها الحمل على الخطاب الشّرعي يعني أن كل شيء من الخطابات الشّرعيّة يتعيّن حمله على إطلاقه أو عمومه حتى يرد فيه نهي يخص بعض الأفراد ويخرجه من الإطلاق مثاله قولهم عليهمالسلام كلّ ماء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر فإنّه محمول على إطلاقه فلمّا ورد النّهي عن استعمال كلّ واحد من الإناءين إذا نجس أحدهما واشتبها تعين تقييده بغير هذه الصّورة وفيه ما لا يخفى على أحد وثالثها الحمل على بيان حكم الشبهات الموضوعيّة وفيه أنّه تقييد بلا دليل بل هو غير ممكن لأنّ النّهي إنّما يرد على العناوين الكلية لا الموضوعات الخارجة ورابعها أنّ النّهي فيها عام للنّهي العام والخاص والأوّل قد بلغنا في الشّبهات بأخبار الاحتياط وفيه أنّ ظاهرها إرادة النّهي الخاص كما ذكره المصنف رحمهالله وخامسها حملها على بيان حكم المشتبهات قبل كمال الشّريعة وتمامها وأمّا بعد انتشارها وانبساط الأحكام فلم يبق شيء على حكم البراءة وفيه أنّه لا دليل على هذا التقييد مع أنّه مرويّ عن الصّادق عليهالسلام والشّريعة قد أكملت في زمان النّبي صلىاللهعليهوآله فمع تأخر ورودها عن إتمام الشّرع كيف يحمل على ما قبله وسادسها الحمل على بيان حكم من لم تبلغه أحاديث النّهي عن ارتكاب الشبهات والأمر بالاحتياط لاستحالة تكليف الغافل عقلا ونقلا وفيه أنّه خلاف ظاهر الرّواية كما يظهر ممّا ذكره المصنف رحمهالله وسابعها الحمل على الشبهات الوجوبيّة بحمل النّهي على إرادة النّهي عن التّرك وفيه أيضا ما تقدّم في جملة من سوابقه من كونه تقييدا بلا دليل بل هو خلاف ظاهر الرّواية وثامنها الحمل على بيان حكم الأشياء المهمّة الّتي تعم بها البلوى ويعلم أنّه لو كان فيها حكم مخالف للأصل لنقل وفيه أيضا أنّه تقييد بلا دليل وبالجملة أنّ بعد هذه التّوجيهات غير خفي على أحد إلاّ أنّ الشيخ الحرّ العاملي قدسسره قد التجأ إليها بزعم تواتر أخبار الاحتياط وتماميّة دلالتها نعم يمكن أن يقال إنّ ظاهر الرّواية هو ورود النّهي عن الشّارع وصدوره عنه لا وصوله إلينا حتّى تجدي في المقام لأن المقصود في المقام إثبات البراءة في كل ما لم يصل فيه إلينا نهي من الشّارع لا فيما لم يصدر فيه عنه نهي في الواقع اللهمّ إلاّ أن يمنع هذا الظّهور ويدعى كون ظاهرها بيان لزوم تماميّة الحجّة في وجوب الاجتناب ولا ريب أنّ مجرّد صدور الخطاب عن الشّارع في الواقع من دون علم المكلّف به غير مجد في ذلك ولعلّ هذا أظهر(قوله) وقد يحتج بصحيحة عبد الرّحمن بن الحجّاج إلخ لا يذهب عليك أنّ موضع الدّلالة من الصّحيحة فقرتان إحداهما ما دل منها على معذورية الجاهل بالتّحريم والأخرى ما دل على معذوريّة الجاهل بالعدّة ولكن الاستدلال بهما يتوقّف على إثبات مقدمات الأولى كون المراد بالجهالة في الموضعين هي الجهالة بالحكم دون الموضوع والأخرى كون المراد بها الجهالة البسيطة دون المركّبة والثالثة كون معذوريّة الجاهل فيما ترتّب على الجهالة من الفعل لا في شيء آخر ووجه التّوقف على هذه المقدّمات واضح لأنّ المقصود في المقام إثبات حجيّة أصالة البراءة في الشبهات التّكليفيّة وكونه معذورا فيها لا مع الغفلة أو اعتقاد خلاف الواقع إلاّ أنّ بعض هذه المقدّمات مفقود في المقام أمّا بناء على الاستدلال بالفقرة الأولى فإنّ الجهالة فيها وإن كانت عبارة عن الجهالة بالحكم إلاّ أنّ المراد بها بمقتضى التّعليل على ما أفاده المصنّف هي الجهالة المركّبة دون البسيطة وكذا المراد بالمعذوريّة فيها هي المعذورية في حرمة تزويج المرأة مؤبدة لا المؤاخذة على الفعل المرتب على الجهالة كما هو المطلوب وأمّا بناء على الاستدلال بالفقرة الثّانية فيتوقّف على بيان صور الاشتباه في العدّة فنقول إنّ الشّبهة فيها تارة تكون حكمية وأخرى موضوعيّة وعلى التّقديرين إمّا أن تكون الشبهة في أصل العدّة أو في انقضائها بعد العلم بها في الجملة فالصّور أربع إحداها أن يكون جاهلا بأصل تشريع العدة الثّانية أن يكون جاهلا بمقدارها بعد العلم بمشروعيتها في الجملة وعلى التّقديرين تكون الشبهة حكميّة الثّالثة أن يكون جاهلا بكون هذه المرأة معتدة بعد العلم بمشروعيّتها ومدّتها الرّابعة أن يكون جاهلا بانقضاء عدّة هذه المرأة المطلقة أو المتوفى عنها زوجها فقوله قلت فهو في الأخرى معذور قال نعم إن أراد به إحدى صورتي الجهل بالحكم فلا يمكن الاستدلال به للمقام لانتفاء المقدّمة الثالثة لأنّ ظاهر الصّحيحة كونه معذورا في التحريم الأبدي لا في المؤاخذة كما تقدّم ومع تسليمه تكون الصّحيحة مطروحة بالاتفاق لإجماعهم على وجوب الفحص عن الدّليل إلى أن يحصل الظنّ بعدمه في العمل بأصالة البراءة في الشبهات الحكميّة ومع التّسليم فلا ريب أن العمل بها مشروط بعدم وجود أصل موضوعي حاكم عليها واستصحاب بقاء العدّة عند الشّك في انقضائها وأصالة فساد العقد عند الشك في أصل العدّة حاكمان عليها فلو فرض موافقة البراءة للواقع فالعمل بها في المقام حرام من جهة التّشريع ومخالفة الأصول وإن أراد به إحدى صورتي الجهل بالموضوع فلا يتم به الاستدلال أيضا لانتفاء المقدّمة الأولى لفرض كون الشّبهة حينئذ موضوعيّة ولا خلاف في جريان أصالة البراءة في الشبهات الموضوعيّة حتى من الأخباريين وكذا الثالثة كما تقدم مضافا إلى مخالفتها للأصلين كما عرفت هذا كله إذا كان المراد بالجهالة في الصّور الأربع هي الجهالة البسيطة بأن كان شاكا متردّدا في الحكم أو الموضوع وأمّا إذا كان غافلا أو معتقدا للخلاف فيصحّ الحكم بمعذوريته حينئذ مطلقا بأن يراد بالمعذورية معنى يشمل الحكم الوضعي والتكليفي إلاّ أنّ الرّواية لا تصلح حينئذ دليلا على المدّعى أيضا لانتفاء المقدّمة الثّانية وهي شرط في جريان البراءة لعدم قدرته على الاحتياط مع الغفلة واعتقاد الخلاف وعدم تعرض المصنف رحمهالله لبعض صور الشّبهة في العدّة لعلّه لأجل وضوح حكمها ممّا ذكره وبقي في المقام شيء وهو أنّ المراد بالجهالة في جميع فقرات الصّحيحة هل هي الجهالة البسيطة أو المركبة أو لا بدّ من التفكيك فيها بينهما لا سبيل إلى الأوّل والثّاني كما أفاده المصنف رحمهالله وستعرفه ومنه يظهر أيضا عدم صحّة إرادة الجهالة البسيطة من الجهل بالتحريم والجهالة المركبة من الجهل بالعدّة فلا بد من التّفكيك بينهما فيهما على عكس ذلك لأنّ مقتضى تعليل معذوريّة الجاهل بالتحريم بقوله لأنّه
