شرح ما يتعلق بصدر الكتاب وبقول هنا إن قلت كيف تدعي دوران الأمر بين الأربعة المذكورة مع أنّ في الشرع أصولا أخر لم يبحثوا عنها في الأصول مثل أصالة الطهارة المستفادة من قوله عليهالسلام كلّ شيء طاهر حتى تعلم أنّه قذر فما وجه الحصر المذكور وما السّر في عدم بحثهم عنها هنا قلنا إنّ ما ذكره المصنف رحمهالله من الحصر ناظر إلى ظاهر كلمات الفقهاء حيث إنّ ظاهرها كون الأصول الأربعة من الأدلّة الاجتهاديّة لأنّهم قد اعتبروا أصالتي البراءة والاستصحاب من أسباب الظنّ الّذي مستنده العقل ولذا لم يتمسّك أحد منهم في إثباتهما إلى زمان والد شيخنا البهائي رحمهالله بالأخبار وهو رحمهالله قد تمسّك في بعض كلماته في إثبات اعتبار الاستصحاب بالأخبار وتبعه من تأخّر عنه واعتبروا أصالتي الاشتغال والتخيير من باب حكم العقل نظير حكمه بوجوب ردّ الوديعة وقبح الظلم بخلاف أصالة الطّهارة فإنها قاعدة مستفادة من الشّرع خاصّة نعم قد تمسّك الفاضل في بعض كتبه في تأسيس أصالة الطّهارة بالأدلّة الأربعة نظرا في دلالة العقل إلى اقتضاء قاعدة اللطف من حيث رفع المشاق عن العباد لخلق الماء طهورا ولكنّه ضعيف كما قرّر في محلّه وبالجملة أن عدم بحثهم عن أصالة الطهارة في الأصول إنما هو من جهة عدم كونها من الأدلّة لكونها عندهم من القواعد الشّرعيّة بخلاف الأصول الأربعة ولذا جعلوها من الأدلّة العقليّة والفرق بين الدليل والقاعدة واضح ولذا جعلوا كل واحد منهما معنى مستقلا للأصل ثم إنّ هنا أمرين لم يتعرض لهما المصنف رحمهالله ينبغي التّنبيه عليهما للأمر الأوّل إنّ هنا إشكالين يجري أحدهما في جميع الأدلّة العقليّة ويختصّ الآخر بالأصول الأربعة أمّا الأوّل فهو أنّهم قد عرفوا علم الأصول بأنه ما يبحث فيه عن أحوال الأدلّة ولا ريب أنّ البحث في الأدلّة العقلية ليس عن أحوال الدّليل لأنّ بحثهم فيها كما قرّر في محلّ آخر إنما هو عن حكم العقل لا عن أحواله من حيث كونه حجّة وعدمها لأنّهم قد بحثوا في مسألة البراءة والاستصحاب وكذا في مسألة الحسن والقبح عن أنّ العقل هل يحكم بالبراءة عن التّكليف عند فقد الدليل على الحكم المشكوك فيه وأنه يحكم ببقاء الحالة السّابقة عند الشّكّ في بقائها وأنّه يحكم بحسن فعل أو قبحه أو لا لا عن اعتباره بعد فرض حكمه لكون اعتبار حكم العقل مسلما عندهم بعد فرض وجوده والبحث عن أحوال الدّليل العقلي إنما يصدق بعد فرض حكمه وبالجملة أن البحث في الأدلّة العقليّة صغروي والبحث عن حجّيتها بعد إحراز الصّغرى كبروي والأدلّة العقليّة إنما تدخل في موضوع علم الأصول بالاعتبار الثّاني الأوّل فيجب إخراجها عن موضوع هذا العلم ومع تسليم كون البحث فيها عن حجيّتها فلا ريب أن البحث من هذه الحيثيّة داخل في المبادئ لأنّ موضوع علم الأصول هي الأدلّة الأربعة والبحث عن الحجيّة بحث عن دليليّة الدّليل وهو بحث عن موضوع الدّليل لا عن أحواله ليدخل في المقاصد والجواب أنّ البحث عن إدراك العقل من حيث هو وإن كان داخلا في المبادئ إلاّ أنّ الملحوظ في ذلك هو إثبات حكم العقل وإدراكه لتخصّص وتقيّد به عمومات الكتاب والسّنة وإطلاقاتهما عند المعارضة مرجع البحث من هذه الجهة إلى البحث عن أحوال الكتاب والسّنة من حيث جواز تخصيصهما وتقييدهما بالعقل ومن هنا تظهر الحال فيما كان البحث عنه من حيث حجيّته بعد الفراغ عن حكم العقل مضافا إلى ما ذكره إلى بعض الأفاضل من كون موضوع علم الأصول هي ذات الأدلّة لا هي بوصف الدّليليّة وحينئذ يكون البحث عن حجيّتها بحثا عن أحوالها فيدخل في المقاصد وأمّا الثّاني فهو أنّهم قد عرفوا الدّليل العقلي بأنّه حكم عقليّ يتوصّل به إلى حكم شرعي وهذا غير صادق على الأصول لعدم التوصّل بها إلى حكم شرعيّ فلا وجه لعدّها من الأدلّة العقليّة أمّا أصالة البراءة فلأنّ غاية ما يدلّ عليه العقل عند عدم الدّليل على الحكم المحتمل هو الإتيان بالفعل المحتمل للحرمة وترك ما يحتمل الوجوب وأمّا دلالته على عدمها فلا سبيل للعقل إليها مع أنّ عدمهما ليس من الأحكام الخمسة فإن قلت ربما يدور الأمر بين الضّدين كالوجوب والاستحباب في غسل الجمعة حيث قال بكلّ منهما بعضهم ولا ريب أنّ نفي الوجوب بأصالة البراءة يثبت الاستحباب قلت إنّ الأقوال ربما تتكثر في المسألة فنفى أحدها بالأصل لا يعيّن خصوص أحدها مما بقي محتملا في المسألة مع أن إثبات الاستحباب بنفي الوجوب إنما يتم على القول بالأصول التي لا نقول بها وأمّا قاعدة الانتقال فلأنّ وجوب الاحتياط فيما علم التّكليف فيه وشكّ في المكلّف به إنّما هو من أجل كونه من شعب وجوب دفع الضّرر المظنون أو المحتمل فإن حكم العقل بوجوب الإتيان بجميع أطراف الشبهة إنما هو لخوف ترك الواقع عند الاقتصار ببعض أطرافها في مقام الامتثال فحكم العقل بوجوب الاحتياط إنما هو لأجل دفع الضّرر المحتمل أعني العقاب الأخروي ولا ريب أن حكم العقل بذلك ليس إلزاميّا حتى يقال إنه حكم عقلي يتوصّل به إلى حكم شرعي بل هو إرشاديّ من باب إراءة مصلحة المكلّف فهو نظير أوامر الأطبّاء لا يترتّب على موافقته ثواب ولا على مخالفته عقاب بل جميع الأحكام العقليّة حتّى ما استقلّ به العقل مثل قبح الظّلم وحسن الإحسان من قبيل ذلك لعدم إلزامه المكلّف بأمر مولويّ بترك الظلم لأجل قبحه لأنّ غايته الإرشاد ولو إلزاما إلى أن في فعله ارتكابا للقبيح لا إلزامه بأمر مولويّ بتركه وحينئذ إن كان ما حكم به العقل مما يصحّ تعلق خطاب شرعي به فهو وإلاّ كان هذا الحكم إرشاديا محضا ووجوب الاحتياط من قبيل ذلك لكونه طريق امتثال إجمالي للواقع المعلوم إجمالا وما هو من قبيل كيفيّة امتثال أوامر الشرع لا يصلح تعلق خطاب به لا بمعنى عدم إمكان تعلق خطاب شرعي به بل بمعنى أنّه لو فرض ورود خطاب شرعي عليه كان من قبيل تقرير حكم العقل لا من باب إنشاء حكم شرعي إذ لو كان طريق امتثال الواقع محتاجا إلى بيان الشارع لاحتاج امتثال هذا الخطاب أيضا إلى بيان آخر حتّى يتسلسل أو يدور وما كان قابلا لتعلق خطاب كل من العقل والشرع به كان متّصفا بكلّ من حكمهما مثل الظلم والإحسان وهذا أيضا هو المقصود من قولهم كلما حكم به العقل حكم به الشّرع وممّا ذكرناه من النّقص بالضّرر الدّنيوي لأنّ المشهور حرمة السّفر مع خوف الضّرر فيه فإذا سافر يعاقب عليه في الآخرة وإن لم يصبه الضرر المتوهّم أو المظنون ووجه الاندفاع كون ذلك قليلا لورود حكم كلّ من العقل والشّرع عليه وتظهر الثمرة بينه وبين ما نحن فيه في أنّ العقاب فيه على تقدير المخالفة على السّفر خاصّة وفيما نحن فيه على تقدير وجوب الاحتياط شرعا
