الدّاخلة كما أنّه انعقد على جواز الترجيح بحسب وجه الصّدور بما يوجب رجحان صدور أحد الخبرين المتعارضين لبيان خلاف الواقع لأجل تقية ونحوها وتحرير المصنف رحمهالله للكلام في الترجيح بحسب وجه الصّدور على جميع الأقوال إنّما هو لأجل إتمام المقصود بحسب القاعدة وإلاّ فالظاهر انعقاد إجماعهم عليه أو مبني على عدم القطع بهذه الدّعوى وكيف كان فمحل البحث في المقام إنّما هو التّرجيح بحسب المضمون خاصّة بأن يظن بإحدى الأمارات المشكوكة الاعتبار كون مضمون أحد الخبرين المتعارضين أقرب إلى الواقع من الآخر مثل الشّهرة وعدم الخلاف وظهور الإجماع والإجماع المنقول على القول بعدم اعتباره والأولوية الظنيّة والاستقراء ونحوها وممّا ذكرنا يظهر ضعف ما أورد على قول الشّهيد الثّاني بتقديم قول المجتهد الأعلم من جهة كونه أقرب إلى الواقع بأن قول غير الأعلم قد يكون أقرب إلى الواقع من قول الأعلم من جهة موافقته للشّهرة وأقوال الأموات ونحوهما وذلك لأن مراد الشّهيد الثّاني من الترجيح بالأعلميّة نظرا إلى كون قوله أقرب إلى الواقع هو الترجيح بالمرجّح الدّاخل نظرا إلى كون دلالة ما دل على اعتبار قول العالم على اعتبار قول الأعلم أقوى من دلالته على اعتبار قول غيره فلا يعارضه اقتران قول غيره بالمرجحات الخارجة مضافا إلى ما عرفت من الإجماع على اعتبار المرجّح الدّاخل بخلاف غيره نعم لو قلنا باعتبار المرجحات الخارجة يقع التعارض بين المرجّح الدّاخل والخارج وستقف على رجحان الثّاني وتقدّمه على الأوّل وكيف كان فحيث قد عرفت انحصار محل الكلام في المرجحات الخارجة فالمشهور اعتبارها بل هذا أحد الموازين بين الأصولي والأخباري حيث ذهب الأخباريون إلى التوقف عند انتفاء المرجحات المنصوصة بخلاف الأصوليين لإطباقهم على جواز الترجيح بها (قوله) لدوران الأمر إلخ لأنّه مع تعارض الخبرين الموافق أحدهما للشّهرة مثلا فالقول فيه منحصر في ثبوت التخيير في العمل بأيّهما شاء وترجيح الموافق لها ومع العجز عن ترجيح أحد القولين سرى احتمال تعين العمل بالموافق لها إلى المقام فيدور الأمر بين التعيين والتخيير واليقين بفراغ الذمّة لا يحصل إلاّ بالأخذ بمحتمل التعيين وهذا لا ينافي القول بالتّخيير فيما لو دار الأمر فيه بين التعيين والتخيير في الفروع لأن العقل لما لم يكن له سبيل إلى الأحكام التعبديّة الفرعيّة وكان بيانها واجبا على الشّارع فحيث يدور الأمر بين حكمين فرعيين على وجه التعيين والتخيير فالعقل يستقل بقبح المؤاخذة لو أخذ المكلّف بأحدهما واتفقت مخالفته للواقع سواء كان محتمل التعيين أو غيره إذ لو كان أحدهما مقصودا للشّارع بالخصوص فلا بدّ من بيانه لقبح العقاب بلا بيان بخلاف ما لو دار الأمر بين التعيين والتخيير في المسائل الأصوليّة كما فيما نحن فيه لأن الواجب على الشّارع بيان نفس الأحكام الواقعية لا بيان كيفية امتثالها لوضوح كون ذلك موكولا إلى طريقة العقلاء في امتثال أوامر الموالي وحينئذ فلا بدّ من ملاحظة طريقتهم فإن استفيد منها اعتبار وجود شيء أو عدمه في كيفيّة الامتثال فلا بدّ من الأخذ به وإلاّ فمع الشّكّ لا بدّ من الاحتياط والأخذ بما هو الأوثق في مقام الامتثال فإن قلت إنّ هذا إنّما يتم في مقابل القول بالتخيير الذي هو نوع من البراءة لا في مقابل قول الأخباريين بالاحتياط قلت كلامنا في المقام إنما هو مع من قال بالتخيير من الأصوليين بعد الفراغ من إبطال قول الأخباريين بالاحتياط في الشبهات فإن قلت نعم ولكن إطلاق أخبار التخيير في تعارض الخبرين يمنع وجوب الاحتياط في المقام قلت أوّلا أن هذه الأخبار كلّها ضعيفة كما قيل فتأمل وثانيا أنّها موهونة بمصير الأكثر إلى خلافها حيث اعتبروا المرجّحات المنصوصة ولا اعتداد بالخبر المخالف للشّهرة على ما هو التحقيق بل عند جميع القائلين بالظنون الخاصّة أو المطلقة كما أشرنا إليه في بعض الحواشي السّابقة وثالثا أنها واردة في مقام الحيرة وعدم وجود مرجّح أصلا وذلك لأنّه لا ريب في صدور الأخبار المتضمّنة للمرجحات المنصوصة وحينئذ نقول إنّ رواة أخبار التخيير لا يخلو إمّا أن يكونوا عالمين بتلك المرجّحات حين سؤال الإمام عليهالسلام مع علمه بعلمهم بذلك حتّى يكون مورد هذه الأخبار هو الحكم بالتخيير مع فقد المرجحات المنصوصة مطلقا سواء كانت هنا أمارة مشكوكة الاعتبار موافقة لأحد الخبرين أم لا ولكنه في غاية البعد لاختلاف رواة أخبار الترجيح والتخيير وإمّا أن يكون سؤالهم في مقام الحيرة وانتفاء المرجحات منصوصة كانت أم غيرها وذلك لا ينافي الترجيح بالأمارات المشكوكة الاعتبار ويؤيده وقوع الحكم بالتخيير في أخبار الترجيح بعد بيان المرجحات إذ لو كان الرّاوي عالما بوجوه الترجيح لم يحتج إلى البيان فمع عدم علم الرّاوي بها فحكم الإمام عليهالسلام بالتخيير ابتداء في إخباره لا بدّ أن يكون مفروضا فيما انتفت فيه المرجحات مطلقا وإلاّ فلا بدّ حينئذ من بيان ما يجوز الترجيح به وما لا يجوز ثم الحكم بالتخيير لقبح تأخير البيان عن وقت الحاجة بناء على كون ظاهر هذه الأخبار وقوع السّؤال عن محلّ الحاجة لا عن قضيّة فرضية وقد عرفت عدم منافاة ذلك للترجيح بالأمارات المشكوكة الاعتبار(قوله) فيعارض الاحتياط إلخ كما إذا فرض خبران دل أحدهما على استحباب السّورة والآخر على وجوبها وفرضت فتوى المشهور بمضمون الأوّل وقلنا بوجوب الاحتياط عند الشكّ في الأجزاء والشّرائط(قوله) إذا لا يكفي في ذلك إلخ لأنّ دلالة الأدلّة على حجيّة الأخبار غير المتعارضة إنّما هي على وجه الوجوب التّعييني فلو شملت الأخبار المتعارضة أيضا فلا بدّ أن تدل على وجوب العمل بها على وجه التخيير وحينئذ يلزم استعمال اللّفظ في أكثر من معنى واحد وأنت خبير بأنّه يكفي في إثبات حجية الخبر المرجوح نفس أخبار الترجيح والتخيير لأنّهما فرع اعتبار المتعارضين مع أنّه يمكن أن يمنع عدم شمول ما دل على اعتبار المتعارضين في أنفسهما لصورة التعارض لأن مقتضى ما دل على اعتبارهما في نفسهما وإن كان هو وجوب العمل بكل منهما تعيينا إلاّ أنّ إثبات التخيير بينهما ليس بنفس دليل اعتبارهما حتّى يلزم استعمال اللّفظ في معنيين بل به بضميمة حكم العقل لأن دليل اعتبارهما وإن دلّ على وجوب العمل بكل منهما تعيينا مطلق إلاّ أنّه يستكشف بذلك عن مطلوبية العمل بكل منهما بحسب الإمكان عند الشّارع وعدم رضاه بتركهما عند التّمكن من العمل بأحدهما لا بعينه فحيثما يمكن العمل بالخبرين معا يجب العمل بكل منهما تعيينا بمقتضى دليل اعتبارهما وحيثما لا يمكن فيه ذلك يجب العمل بأحدهما تخييرا تحصيلا لرضا الشّارع بحسب الإمكان (قوله) وليس المقام إلخ إذ الفرض عدم العلم بحجيّة الخبر المرجوح
