فيه هي المعرفة وأمّا كون المقصود هي المعرفة في الجملة ولو إجمالا أو المعرفة التفصيليّة فلا دلالة في الآية على ذلك (قوله) ولكن الإنصاف إلخ حاصله أنّ الاجتهاد في أصول العقائد ومعرفة تفاصيلها غير ممكن لأكثر الناس ومن تمكن منه فهو مجتهد في الفروع أيضا وبالجملة أن الاجتهاد في الأصول يلازم الاجتهاد في الفروع لكون أكثر مطالب الأصول الاعتقادية أيضا مستفادة من النقل خاصة أو منه بضميمة العقل وأنت خبير بأنّ هذا خلاف المشاهد إذ كثير من الحكماء ليسو مجتهدين في الفروع يقينا ولعل الوجه فيه أنّ الاجتهاد في الفروع يحتاج إلى مزاولة كتب الأصول العمليّة والكتب الفقهيّة ولا ريب أن من أنس ذهنه من ابتداء أمره بمطالب الحكمة الّتي هي عقلية غالبا وكان أجنبيّا عن مذاق الفقهاء وبعيدا عن مجالس الفقه ومزاولة كتبه وكتب الأصول لم يكن مجتهدا في الفروع وإن صرف أكثر عمره في الحكمة ولذا حكي عن بعض الحكماء مع مهارته في الحكمة تقليده الفقيه في الفروع (قوله) ليس بأولى من دعوى إلخ لا بد حينئذ من ملاحظة الأهمّ من الأمرين وربّما يمكن أن يقال يكون الأصول أهمّ لأنّ المقصود من خلق الجن والإنس هي معرفة الربّ جلّ ذكره وهي مبنى الإيمان الّذي يتخلص به عن الخلود في النّار ولا ريب أن مثل ذلك أهمّ من الفروع التي لا يترتب على الجهل بها سوى المؤاخذة في الجملة مع بقاء الاستحقاق للعفو (قوله) هذا إذا لم يتعين إلخ ربّما يعارض ذلك بتعين الاجتهاد في تفاصيل أصول العقائد أيضا في بعض الأحيان ولو للحاجة بها على الخصوم وحفظا للنّاس عن الانحراف عن العقائد الحقة(قوله) هذا كلّه يعني وجوب المعرفة بتفاصيل المعارف (قوله) أمّا اعتبار ذلك إلخ ولعل الوجه في تمسّكه بالأخبار المذكورة في إثبات حقيقة الإيمان هو دعوى تواترها ولو معنى أو إثبات ما يتفرع عليه من الأحكام الفرعيّة(قوله) والتّصديق بصفاته الثبوتيّة إلخ اعلم أنّ صفاته سبحانه ذاتية وفعلية والأولى ثبوتية وسلبيّة والثبوتية كما يسمّى بذلك يسمّى أيضا صفاتا ذاتية وكمالية وإكرامية وكذا السّلبيّة تسمّى أيضا صفاتا جماليّة وكذلك الفعلية تسمّى أيضا جماليّة والمراد بالأولى ما ثبت لله تعالى دائما ولا يصحّ سلبه عنه أصلا وبالثّانية ما لا يتصف به الله تعالى ولا تصح نسبته إليه في وقت من الأوقات وبالثالثة ما يصح إثباته له وسلبه عنه مثل أنّه يقال إنّه رازق للمخلوقات وغير رازق للمعدومات وخالق للموجودات وغير خالق للمعدومات وهذه كثيرة مثل كونه خالقا ورازقا ورحمانا ورحيما وجوادا ونحوها وأمّا الصّفات الثّبوتية فثمان قد نظمها بعضهم بالفارسيّة
|
عالم وقادر وحيّ مريد است ومدرك |
|
هم قديم وأزلي ومتكلم صادق |
وقد صرّح المصنف رحمهالله بأن أصولها العلم والقدرة لرجوع غيرهما إليهما وأضاف بعضهم إليهما الحياة أيضا والوجه فيما ذكره المصنف رحمهالله أنّ الحياة عند الحكماء وأبي الحسن البصري كما نقله غير واحد عبارة عن صحة اتصافه بالقدرة والعلم وقال بعض شرّاح شرح التجريد إن تحقيق مذهب الحكماء على ما نقل عن بهمنيار في التحصيل أنّ الحي هو الدراك الفعّال وهذان الوصفان له تعالى بذاته ومعنى قولي بذاته إن وجوده تعالى حياته فإن وجوده تعالى هو كونه بحيث يصدر عنه أفعال الحياة انتهى ومحصول كلامه أنّه تعالى حي بذاته بمعنى أن وجوده الّذي هو عين ذاته مصدر لأثر الإدراك وأفعال الحياة فيصدق على ذاته أنّه بحيث يصدر عنه أفعال الحياة وآثار الإدراك فرجع إلى ما ذكره الشّارح من كونه بحيث يصح أن يعلم ويقدر انتهى وعن المتكلمين تفسيرها بأنّها صفة توجب صحّة العلم والقدرة ولعلّه إليه يرجع أيضا ما نقله بعض شراح الباب الحادي عشر عن الأشاعرة من أنّها صفة زائدة على ذاته مغايرة للصّحة المذكورة وهو فاسد لما دلّ على كون صفاته عين ذاته وإلى صفة الحياة ترجع صفتا القدم والأزليّة والأبديّة لأن حياته المطلقة تستلزم هذه الأوصاف لا محالة لأنّه سبحانه لو كان مسبوقا بالعدم أو جاز له الفناء لم يكن حيّا في حال عدمه أو فنائه وربّما ترجع هذه الأوصاف إلى كونه تعالى واجب الوجود لأنّه مع وجوب وجوده يستحيل عليه العدم السّابق واللاحق وأمّا صفة الإرادة فهي راجعة إلى صفة العلم لأنّها عند جماعة من رؤساء المعتزلة كأبي الحسن والنّظام والجاحظ والعلاّف وأبي القاسم البلخي ومحمود الخوارزمي وتبعهم المحقق الطوسي عبارة عن علمه تعالى بما في الفعل من المصلحة الدّاعية إلى إيجاده والكراهة على خلافها لأنّها عبارة عن علمه تعالى بما في الفعل من المفسدة الدّاعية إلى تركه وفيهما مذاهب أخر وحكي عن بعضهم كونهما من صفات الفعل دون الذات وهو أيضا مستفاد من جملة من الأخبار فتكون الإرادة حينئذ بمعنى الإيجاد والخلق وأمّا صفة الإدراك فهي راجعة إلى صفة العلم قال بعض شرّاح الباب الحادي عشر قد دلت الدّلائل النّقلية على اتصافه تعالى بالإدراك وهو زائد على العلم فإنا نجد الفرق ضرورة بين علمنا بالسّواد والبياض والصّوت الهائل والحسن وبين إدراكنا لها وتلك الزّيادة راجعة إلى تأثر الحاسة لكن قد دلت الدّلائل العقليّة على استحالة الحواس والآلات عليه تعالى فيستحيل ذلك الزائد عليه فإدراكه هو علمه تعالى حينئذ بالمدركات والدّليل على صحة اتصافه به هو ما دلّ على كونه عالما بكلّ المعلومات من كونه حيّا فيصحّ أن يدرك وقد ورد القرآن بثبوته له فيجب إثباته له فإدراكه هو علمه بالمدركات وذلك هو المطلوب انتهى وأمّا صفة التّكلم فهي راجعة إلى صفة القدرة لأنّ الكلام حروف وأصوات مسموعة منتظمة ومعنى أنّه تعالى متكلم أنّه يوجد الكلام في جسم من الأجسام وتفسير الأشاعرة غير معقول وأمّا صفة الصّدق فهي من شعب الكلام الّذي هو من شعب القدرة ومعنى كونه صادقا هو كونه قادرا على إيجاد الكلام المطابق للواقع وأمّا الصّفات السّلبيّة فسبع قد نظمها بعض بالفارسيّة
|
نه مركب بود نه جسم نه مرئى نه محل |
|
بي شريكست ومعاني تو غنى دان خالق |
وقد صرّح المصنف رحمهالله برجوعها إلى صفتي الحاجة والحدوث أمّا صفة التركيب فهي راجعة إلى صفة الحاجة لأنّ المركّب سواء كان خارجيّا كتركيب الأجسام من الجواهر والأفراد أو عقليّا كتركيب الماهيات من الأجناس والفصول محتاج إلى جزئه وجزؤه غيره لصدق سلبه عنه إذ الكلّ ليس بجزء وما يصحّ سلبه فهو غيره فيكون مفتقر إلى غيره فيكون ممكنا فلو كان الباري جلت عظمته مركبا كان ممكنا وأمّا صفة كونه جسما فهي إمّا راجعة إلى صفة الحاجة لأنّ كلّ جسم وهو ما له عرض وطول وعمق
