ثمّ إنّ قياس المفصّل مؤديات الطّرق المنصوبة على القطع في جريان حكم التجري فيها من معارضة الجهة الواقعيّة للجهة الظّاهريّة لا يخلو من نظر فإن نصب الطّريق إن كان من باب إمضاء الشّارع وتقريره لمّا هو مقرّر عند العقلاء كما في ظواهر الألفاظ كما يشير إليه قوله تعالى وما أرسلنا من رسول إلاّ بلسان قومه ومثلها الظّنّ المطلق بناء على تقرير دليل الانسداد من باب الحكومة دون الكشف فإنّه حينئذ أيضا من باب إمضاء الشّارع لحكم العقل فما ذكره حقّ إذ الظّنّ الحاصل منها حينئذ في حكم القطع في جريان حكم التجري فيه ولكن ذلك ليس في الحقيقة نصب طريق فلا يكون مشمولا لقوله وكذا لو نصب له طريقا إلخ وإن كان من باب جعل الطّريق حقيقة بأن نصب طريقا إلى الأحكام الواقعيّة في عرض الواقع حتّى يجوز العمل به مع التّمكّن من تحصيل القطع بسؤال الإمام عليهالسلام ونحوه كما هو ظاهر المشهور في العمل بأخبار الآحاد فلا بدّ حينئذ من تضمن الطّريق لمصلحة تتدارك بها مصلحة الواقع على تقدير مخالفة الطّريق للواقع إذ تفويت المصالح الواقعيّة عن المكلف مع تمكّنه من تحصيلها قبيح على الشّارع ومن هنا حكم المشهور بالإجزاء في الأوامر الظّاهريّة وإلاّ فلازم الطّريقيّة المحضة خلافه كما قرر في محلّه فحينئذ إذا أدّى الطّريق إلى خلاف الواقع فتجري فلم يفعل فلا وجه حينئذ لالتزام عدم العقاب على مخالفة الطّريق نظرا إلى قضيّة معارضة الجهة الواقعيّة للجهة الظّاهريّة لمنع المعارضة إذ في مخالفة الطّريق مفسدة قبح التجرّي ومفسدة تفويت مصلحة الطّريق فتكون الجهة الظّاهريّة هنا أقوى بخلاف القطع إذا تخلف عن الواقع فإنّه ليس في القطع مصلحة سوى مصلحة الوصول إلى الواقع فإذا تخلّف عن الواقع لا تبقى فيه مصلحة أصلا فحينئذ تصحّ دعوى معارضة الجهة الظّاهريّة مع الجهة الواقعيّة في صورة التجري بخلاف مخالفة الطّرق المنصوبة سيّما على مذهب المفصل من اعتبار الحسن والقبح في التّكليف كما سنشير إليه في بعض الحواشي الآتية وظاهر كلام المشهور في مسألة الحسن والقبح أعمّ من الأحكام الظّاهريّة والواقعيّة كما لا يخفى (قوله) فيه عدمها إلخ الضّمير الأوّل عائد إلى التّرك والثّاني إلى السّلامة(قوله) وهو فيها إلخ يعني التجري في المباحات (قوله) ويختلف باختلافها يعني يختلف التّجري باختلاف مراتب المندوبات بالتّأكد وعدمه (قوله) من جهاته أي الواقع فحينئذ إن كانت جهة حسن الفعل في الواقع أقوى من جهة قبح التجري بأن كان الفعل بعنوانه الّذي تعلّق به الوجوب في الواقع أهمّ وأولى منه بعنوانه الّذي تعلّقت به الحرمة في اعتقاد الفاعل يرجّح عدم استحقاق العقاب حينئذ كما يرجّح استحقاقه في صورة العكس وإمّا صورة التساوي والتعارض فكالأوّل لعدم المقتضي للاستحقاق بعد التّعارض والتّساقط (قوله) لأن التجري على المولى قبيح ذاتا إلخ يؤيّده بل يدلّ عليه أن قبح التجرّي ممّا لا ينبغي الارتياب فيه ولا سبيل للعقل إلى إدراك قبح الفعل أو حسنه بالوجوه والاعتبار إذ معنى كونهما بالوجوه والاعتبار أن لا يكون في الفعل من حيث هو حسن ولا قبح وإنّما يعرضه أحدهما باعتبار طروّ العوارض الخارجة الّتي هي محالهما حقيقة ولا ريب أن اكتساب الفعل للحسن أو القبح من الأمور الخارجة موقوف على انتفاء موانعة إذ مع معارضة الجهات الخارجة في الحسن والقبح لا يمكن عروض جهة حسن أو قبح للفعل فإدراك العقل لحسن الأفعال أو قبحها موقوف على إحاطته بجميع جهات الفعل وعقولهما قاصرة عن الإحاطة بها وإحاطة العقول الكاملة كعقول الأنبياء والأوصياء عليهمالسلام خارجة من محلّ الكلام وإدراك بعض الجهات المحسنة أو المقبحة مع احتمال وجود مزاحمه في الواقع غير مجد في حكم العقل إذ لا بدّ في حكمه من إحراز جميع جهات موضوعة نفيا وإثباتا فحيث يستقل العقل بحسن فعل أو قبحه فعلا لا بدّ أن يكون ذلك ممّا يكون حسنه أو قبحه ذاتيّا لعدم مزاحمتهما بشيء من الجهات المحسنة والمقبحة ولا ينافي ما ذكرنا كون حسن بعض الأفعال أو قبحه بالوجوه والاعتبار فإن ذلك أنّما هو بحسب الواقع لا بحسب إدراك العقل ولذا ترى أنّ القائلين بالتّحسين والتقبيح العقليين لم يمثلوا للمستقلات العقليّة إلاّ بما حسنه أو قبحه ذاتيّ كالإحسان والظّلم مع قول أكثرهم بالوجوه والاعتبار وليس ذلك إلاّ من جهة عدم وجود مثال في العقول لما يكون حسنه أو قبحه بالوجوه والاعتبار(قوله) سواء كان لنفس الفعل إلخ يعني سواء قلنا بكون قبح التجري من حيث كونه إقداما على الحرام وأنّه قبيح ذاتا أم قلنا بكون قبحه من حيث كشف الفعل عن الصّفة الخبيثة الباطنيّة ومختاره هو الثّاني والأوّل مبني على مذهب المشهور من تأثير الاعتقاد المجرّد عن الواقع في حرمة الفعل أو وجوبه (قوله) بل هو قسم من الظّلم إلخ فإنّ الظّلم هو ما لا يجوز فعله عقلا أو شرعا بالنّسبة إلى المظلوم ولا ريب أنّ الإقدام على مخالفة المولى والكون معه في مقام الطّغيان ممّا لا يجوز عقلا فإنّ فيه إضاعة حقّ المولى من الانقياد والإطاعة له فإن قلت إنّ تشبيه قبح التجري بقبح الظّلم بل تصريحه بأنّه قسم من الظّلم وقوله في الجواب الثّاني وليس من قبيل الأفعال الّتي لا يدرك العقل إلخ ظاهر بل صريح في كون التجري من قبيل الأفعال الّتي يستحق فاعلها العقاب وهو ينافي ما تقدّم في الجواب عن استدلال المشهور على تأثير الاعتقاد المجرّد عن الواقع في وجوب ما اعتقده واجبا أو حرمة ما اعتقده حراما بقبح التجري من أن مذمّة المتجري أنما هي لأجل كشف الفعل المتجري به عن خبث الفاعل لا لأجل مبغوضيّة الفعل وإن حكم العقل باستحقاق الذّم أنّما يلازم استحقاق العقاب شرعا إذا تعلق بالفعل لا بالفاعل فإنه ظاهر بل صريح في كون التجري من باب الصّفة دون الفعل وإنّه لا يستحق من أجله العقاب فالتّنافي بين المقامين ظاهر قلت أمّا تشبيهه بالظلم فأنّما هو في مجرّد القبح الذّاتي واستحقاق الذّم ولو لأجل الصّفة المنكشفة فلا دلالة فيه على خلاف ما تقدّم وأمّا تصريحه بأنّه
