إنّ الحجّة كلّ ما ظنّ اعتباره كأقسام الخبر ما عدا القسم الضّعيف منها بل هو أيضا إذا انجبر بالعمل والإجماع المنقول وهذه الفرقة هم القائلون باعتبار الظنّ بالطّريق وقيل إنّ الحجّة هي جميع أفراد الظنون نظرا إلى أنّ النتيجة وإن فرضناها مهملة إلاّ أنّها تضم إليها مقدمات تسمّى معمّمات تفيد حجيّة كلّ ظنّ كما ستجيء إن شاء الله تعالى هذا كلّه في أقوال المسألة وستقف على ما هو التحقيق وبعض أدلّة الأقوال والله الهادي إلى الصّواب (قوله) إذا جرت في مسألة إلخ حاصله دعوى الملازمة بين جريان مقدّمات دليل الانسداد وهي انسداد باب العلم وبقاء التكليف وعدم وجوب الاحتياط وعدم جواز العمل بسائر الأصول وباقي الطّرق التّعبديّة من التّقليد والقرعة ونحوهما وعدم جواز الاقتصار على الامتثال الاحتمالي في مسألة من المسائل وبين جواز العمل بالظنّ في تلك المسألة من دون فرق بين مراتبه وأسبابه وأشخاصه ويلزمها أن يكون القول بإهمال النتيجة مبنيّا على عدم تمامية بعض المقدمات المذكورة وإلاّ فلا يعقل مع تماميّة المقدّمات المذكورة القول بعدم جواز العمل بالظن في مسألة وهذا كاف في بطلان القول بإهمال النتيجة بعد تسليم تماميّة المقدّمات المذكورة(قوله) وهذا ثابت بالإجماع إلخ لا يخفى أنّ دعوى الإجماع في المسائل العقليّة سيّما غير المعنونة منها في كلمات القدماء ممّا لا وجه له اللهمّ إلاّ أن يريد منه مجرّد الاتفاق بدعوى الاستكشاف بحكم عقولنا عن حكم جميع ذوي الألباب ولكن تدفعه أيضا مخالفة صاحب المعالم لأنّه مع تسليمه لمقدّمات دليل الانسداد كما صرّح به المصنّف قد ذهب إلى إهمال النتيجة بحسب الأسباب أو المراتب على الوجهين في كلامه ولذا خص الحجّة بالخبر الصّحيح الأعلى مع تمسّكه فيه بدليل الانسداد وقد تقدم كلامه عند شرح قول المصنف رحمهالله هل هي قضيّة مهملة إلخ فراجع (قوله) حيث إنّه أبطل البراءة إلخ لأنّه قد زعم كون اعتبار أصالة البراءة لأجل إفادتها الظنّ فمنع الدّليل على اعتبارها مع حصول الظن بخلافها وكذلك قد زعم عدم الدّليل على وجوب الاحتياط في موارد العلم الإجمالي تخيلا منه أنّ العلم الإجمالي إنّما يوجب حرمة المخالفة القطعيّة لا وجوب الموافقة القطعيّة وقد تقدّم توضيح الكلام في قول المحقق القمي رحمهالله وصاحبي الزّبدة والمعالم عند شرح قوله هل هي قضيّة مهملة إلى أخره (قوله) إنّه لا دليل على منع إلخ يعني لا دليل على المنع مطلقا بحيث لا تجري الأصول في شيء من مواردها وإنّما الممنوع جريانها في جميع مواردها للزوم المخالفة القطعية الكثيرة في موارد أصالة البراءة والاستصحاب الموافق لها والحرج في موارد الاحتياط والاستصحاب الموافق له فلا بدّ في رفع اليد عن الأصول من العمل بالظنّ بمقدار يرتفع به العلم الإجمالي والحرج المذكورين وهما يرتفعان بالعمل بالظنون القويّة لعدم لزوم مخالفة العلم الإجمالي ولا الحرج بالعمل بالأصول في الموارد الخالية منها وكذا يرتفعان بالعمل بالظنّ في جملة من المسائل دون أخرى أو بجملة من الأمارات دون أخرى وعلى كل تقدير لا يثبت بما ذكره عموم العمل بالظنّ بحسب الأسباب ولا الموارد ولا المراتب والأولى للمصنف رحمهالله أن يضيف إلى الاحتياط الاستصحاب الموافق له بأن يقول ولزوم الحرج من الاحتياط والاستصحاب الموافق له كما صنعه في المقدّمة الثالثة عند إبطال جواز الرّجوع إلى الأصول الجارية في الموارد الشخصيّة(قوله) فنقول إنّه إمّا أن يقرر إلخ هذا إشارة إلى الخلاف في أنّ حكم العقل بجواز العمل بالظنّ بملاحظة مقدّمات دليل الانسداد هل هو من باب الكشف عن جعل الشّارع للظنّ حجّة شرعيّة عند الانسداد أو من باب حكم العقل وإنشائه لحجيّته كالعلم في صورة الانفتاح وذكر هذا الخلاف مقدّمة لبيان كون النتيجة مهملة أو مطلقة لأنّ الأوّل لازم للأول والثّاني للثّاني في الجملة وكيف كان فالوجه في الكشف والحكومة واضح لأنّه إذا دار الأمر بعد الانسداد بين أمور من عدم تكليفنا بشيء كالبهائم أو كون تكليفنا العمل بأصالة البراءة في كل واقعة أو الاحتياط كذلك أو بالأصول الجارية في مواردها أو بالتّقليد للقائل بالانفتاح أو بالقرعة أو نحوهما أو الاقتصار بالامتثال الاحتمالي أو العمل بالظنّ فبعد إبطال ما عدا الأخير فالعقل إمّا أن يكشف عن جعل الشّارع للظنّ حجة شرعيّة يجب اتباعه وإن احتمل مخالفته للواقع وإمّا أن يستقلّ بنفسه للحكم بجواز الاقتصار عليه في مقام امتثال الأحكام الشّرعيّة فيكون المنشئ لحجيّته حينئذ هو العقل دون الشّرع وهذا هو الأقرب لكون الظنّ عند العقل بعد ملاحظة المقدّمات المذكورة كالعلم طريقا لامتثال الأحكام المظنونة فكما أنّ العلم طريق بنفسه لامتثال الأحكام المعلومة غير محتاج إلى جعل الشّارع بل غير قابل له كذلك الظنّ في مفروض المقام هذا مضافا إلى ما أورده المصنف رحمهالله على القول بالكشف من الوجه (قوله) وتوهم أنّه يلزم على هذا إلخ لما عرفت في الحاشية السّابقة من كون حجيّة الظنّ على القول بالحكومة عقليّة لا شرعيّة وهو مناف للملازمة المعلومة عندهم من أن كلما حكم به العقل حكم به الشّرع أيضا والجواب عنه من وجهين أحدهما ما ذكره المصنف رحمهالله من أنّ مورد الملازمة المذكورة إنّما هو حيث كان المحلّ قابلا لورود كل من حكم العقل والشّرع عليه ليس ما نحن فيه كذلك إذ الإطاعة والمعصية ليستا قابلتين لورود حكم الشّرع عليهما إذ لو توقف وجوب الإطاعة على ورود أمر من الشّارع به توقف وجوب إطاعة هذا الأمر أيضا على أمر آخر وهكذا فإن عاد لزم الدّور وإلاّ لزم التّسلسل فوجوب امتثال الأوامر المظنونة في محلّ الفرض كالمعلومة منها ليس بقابل لجعل الشّارع وما ترى من أمر الشارع بالإطاعة ونهيه عن المعصية فهما ليسا على سبيل الإلزام بل على سبيل الإرشاد الّذي لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب سوى ما يترتّب على نفس الإطاعة والمعصية وثانيهما مع تسليم الملازمة مطلقا أنّه لا ريب أنّ حكم الشّرع على طبق حكم العقل إنّما هو على نحو ما حكم به العقل فإن كان على وجه الإلزام المولوي فكذلك حكم الشّرع وإن كان على وجه الإرشاد فكذلك حكمه أيضا ولا ريب أنّ حكم العقل بوجوب العمل بالظنّ إنّما هو من باب الإرشاد إلى مصلحة المكلّف بل حكمه في جميع الموارد من باب الإرشاد على ما ادعاه سلطان العلماء غاية الأمر أنّ المورد إن كان قابلا للأمر الإلزامي المولوي كما في الظّلم والإحسان كان حكم الشّرع أيضا إلزاميّا مولويّا وإن لم يكن قابلا لذلك كما فيما نحن فيه على ما عرفت كان حكم الشرع كحكم العقل إرشاديّا وعلى كل تقدير لا يكون حكم الشّرع في المقام إلزاميّا مولويا كما هو
