المقصود ومن هنا يظهر وجه عدم كون العمل بالظنون المطلقة مفيدا للإجزاء وإن قلنا بكون الأمر الظاهري الشّرعي مفيدا له لما عرفت من كون حكم العقل بتعين العمل بها من باب الإرشاد إلى مصلحة المكلّف في العمل بها حين الانسداد من حيث كونه معذورا في العمل بها لو كانت مخالفة للواقع من دون كشف عن أمر الشّارع في الواقع ليكون امتثاله مفيدا للإجزاء على تقدير ظهور خلافه للواقع وقد أوضحنا الكلام في ذلك في مبحث الإجزاء من كتابنا المسمّى بغاية المأمول في كشف معضلات الأصول وأشرنا هناك إلى أقسام الأمر من الاختياري الواقعي والاضطراري الواقعي والظاهري الشّرعي والظاهري العقلي وإلى عدم إفادة الأخير للإجزاء على تقدير ظهور مخالفته للواقع وإن قلنا بإفادة الثالث له وإن ظهر خلافه من جماعة وكذلك يظهر فساد ما أورده المحقق القمي رحمهالله على الفاضل التّوني في نفيه لظهور الثمرة بين القول بالملازمة بين حكم الشّرع والعقل والقول بعدم هذه الملازمة قال في الوافية في مسألة الحسن والقبح فعلى ما ذكرنا يشكل التّعلق بهذه الطريقة يعني إدراك العقل حسن الأشياء وقبحها في إثبات الأحكام الشّرعيّة غير المنصوصة لكنّ الظّاهر أنّه لا يكاد يوجد شيء على هذه الطريقة إلا وهو منصوص من الشّرع وفائدة هذا الخلاف نادرة انتهى وفي القوانين بعد أن نفي حصول القطع للعقل بعدم المضرّة في الأشياء المشتملة على المنفعة الخالية من أمارة المضرة قال وكيف كان فالحكم بالإباحة في مثل ذلك في أمثال زماننا من الظّنيّات والدّليل عليه ظنّي فكيف يقال إنّها ممّا يستقل بحكمها العقل بعنوان القطع لانسداد باب العلم وانحصار المناص في الظن وذلك من جزئيّاته فمن هذه الجهة يصير من جملة ما يستقل به العقل ومن ذلك ظهر أن ما يقال إنّ التكلم في هذا القسم من الأدلّة العقليّة قليل الجدوى لعدم انفكاك ما استقل به العقل عن الدليل الشّرعي عليه كما يلاحظ في قبح الظّلم وحسن العدل ووجوب ردّ الوديعة وغير ذلك لا وجه له لأنّ العمل بظنّ المجتهد من أعظم ثمرات هذا الأصل وأيّ فائدة أعظم من ذلك انتهى وتوضيح الفساد أنّك قد عرفت أنّ النّزاع في ثبوت الملازمة بين حكم العقل والشّرع كما هو المتنازع فيه بين الأصوليين والأخباريين بعد تسليم إدراك العقل لحسن الأشياء وقبحها كما هو محلّ الخلاف بين العدليّة من العامة والخاصّة وبين الأشاعرة إنّما هو في الأفعال القابلة لورود كل من حكم العقل والشّرع عليه وقد عرفت أنّ ما نحن فيه ليس كذلك وأن حكم كلّ منهما مع تسليم قابلية المحلّ في المقام إنّما هو إرشاديّ لا يترتب على موافقته ومخالفته سوى ما يترتب على نفس الواقع والمقصود من إثبات الملازمة بين الحكمين إثبات أنّه بعد حكم العقل لشيء بحسن أو قبح يثبت بذلك حكم شرعيّ إلزاميّ مولوي على طبقه يترتب على موافقته ومخالفته ثواب وعقاب فكيف يمكن جعل ما نحن فيه ثمرة لمثل ذلك الخلاف (قوله) مشتركان في الدّلالة إلخ فيه نوع من المسامحة إذ لا دلالة للتقرير الأوّل على العموم بحسب الموارد إلاّ بواسطة الإجماع الّذي ادعاه فالأولى أن يقال إنّ العموم بحسب الموارد ثابت بالنّسبة إلى التقريرين أمّا الأوّل فبالإجماع وأمّا الثّاني فباستقلال العقل به (قوله) وأمّا من حيث مرتبة الانكشاف إلخ لا يخفى أنّ عدم العموم في النّتيجة بحسب المرتبة قوة وضعفا على القول بالحكومة إنّما هو لأجل عدم تماميّة بعض مقدّمات دليل الانسداد كما يشير إليه قول المصنف رحمهالله إذ لا يلزم من بطلان كليّة العمل بالأصول إلى آخر ما ذكره لأنّ ظاهره أنّ المانع من كون النتيجة عامة بحسب المرتبة إنّما هو عدم ثبوت بطلان العمل بالأصول في جميع مواردها فلو ثبت بطلانها كليّة فلا بدّ من العمل بالظنّ مطلقا سواء كان قويا أو ضعيفا والوجه فيه واضح إذ بعد فرض بقاء التكليف عند الانسداد وعدم جواز العمل بالبراءة في كل مورد وعدم وجوب العمل بالاحتياط كذلك وعدم جواز العمل بالأصول أصلا ولا التّقليد ولا غيره من الطرق المحتملة لأن تكون مجعولة حين الانسداد وعدم جواز الاقتصار على الامتثال الاحتمالي لا مناص من العمل بالظنّ مطلقا ولو كان ضعيفا فاحتمال جواز العمل بالأصول في موارد الظنون الضعيفة إنّما هو لأجل عدم بطلان العمل بالأصول رأسا لا يقال إنّ تسليم عموم النّتيجة بحسب الأسباب ومنعه بحسب المرتبة لأجل عدم ثبوت بطلان العمل بالأصول رأسا ينافي ما تقدّم من المصنف رحمهالله من منع العموم مطلقا سواء كان بحسب الأسباب أم المراتب أم الأشخاص لأجل منع بطلان العمل بالأصول رأسا كما أشار إليه بقوله وهذا المقدار لا يثبت إلاّ وجوب العمل بالظنّ في الجملة لأنّا نقول إنّ ما ذكره هنا مبني على كون حكم العقل بجواز العمل بالظنّ من باب الحكومة وما تقدّمه لعلّه مبني على كونه من باب الكشف مع قطع النّظر عن إجماعهم على عدم الفرق بين الموارد على الوجهين نعم ما ذكره هنا من كون القول بإهمال النتيجة بحسب المرتبة على القول بالحكومة مبنيا على عدم بطلان العمل بالأصول رأسا ينافي ما تقدّم من المصنف رحمهالله في المقدّمة الثالثة من بطلان العمل بها لأجل مخالفتها للعلم الإجمالي إذ مقتضاه عدم جريانها في شيء من الموارد المشتبهة لأنّ العلم الإجمالي إذا حصل في مورد فهو يمنع من جريان الأصول في جميع أطرافه لا في الجملة بأن يجوز العمل بها في مقدار من أطرافه لا يلزم منه المخالفة للعلم الإجمالي ولذا إذا أشبه إناء بين عشرة إناء فلا مجال لأن يقال بجواز العمل باستصحاب الطّهارة في مقدار منها لا يلزم منه مخالفة العلم الإجمالي وقد تقدم من المصنف رحمهالله في المقدّمة الثّانية منع شمول أدلّة الأصول لموارد العلم الإجمالي نعم ما منع المصنف رحمهالله كلي العمل به هو وجوب العمل بالاحتياط دون الأصول ولا ريب أن منع وجوب كلي العمل به بأن لا يجب الاحتياط في الموهومات مطلقا أو بالوهم البعيد بأن كان الظنّ على خلافها قويّا لا يقضي بجواز العمل بالأصول في مواردها بعد فرض عدم جريانها لأجل العلم الإجمالي المذكور لتعين العمل فيها بالظنّ في الجملة أو مطلقا ولو كان ضعيفا إذ لا مناص منه بعد عدم وجوب الاحتياط وعدم جريان الأصول (قوله) وأمّا التقرير الأوّل إلخ لأنّه بعد إثبات الانسداد الأغلبي وبقاء التّكليف وإبطال وجوب الاحتياط كليّا وجواز العمل بالأصول كذلك وكذلك سائر الطّرق التعبّدية المحتملة فليس للعقل أن يستكشف بملاحظة هذه المقدّمات عن كون الظنّ حجّة عند الشّارع مطلقا من دون
