كان لما عرفت من وجوب الرّجوع إليهما حينئذ فتنزل إلى الظن وحيث لا يظهر ترجيح لبعض الظّنون المتعلّقة بذلك يكون مطلق الظنّ المتعلّق بهما حجّة فيكون المتبع حينئذ هو الرّجوع إليهما على وجه يحصل الظنّ منهما والحاصل أنّ هناك درجتين أحدهما الرّجوع إليهما على وجه يعلم منه بأداء التّكليف من أوّل الأمر إمّا لكون الرّجوع إليهما مفيدا للعلم بالواقع أو لقيام دليل على الرّجوع إليهما على وجه مخصوص سواء أفاد اليقين بالواقع أو الظنّ أو لم يفد شيئا منهما وثانيهما الرّجوع إليهما على وجه يظنّ معه بذلك وذلك بعد انسداد باب العلم إلى الأوّل مع العلم ببقاء التّكليف المذكور فينزل في حكم العقل إلى الظنّ به فإن سلم انسداد سبيل الوجه الأوّل على وجه مكتفي به في استعلام الأحكام كما يدعيه القائل بمطلق الظنّ فالمتبع في حكم العقل هو الوجه الثّاني سواء حصل هناك ظنّ بالطّريق أو الواقع وإن ترتّب الوجهان على حسبما مرّ من التّفصيل وحينئذ فالواجب الأخذ بمقتضى الظنّ المذكور بخصوصه في استنباط الأحكام من غير تعدية إلى سائر الظّنون انتهى كلامه رفع مقامه وحاصل ما ذكره أن المتعين أوّلا هو الرّجوع إلى كتاب معلوم أو سنة معلومة ومع تعذره إلى ما عينه منهما طريق معلوم الاعتبار ومع تعذره إلى ما عينه منهما طريق مظنون الاعتبار ومع تعذره إلى مطلق ما ظنّ كونه كتابا أو سنة وهذا هو المراد بقوله وإلا لزم الأخذ بهما والرّجوع إليهما إلى آخره وإذا عرفت ذلك فعليك بتطبيق ما نقله عنه المصنف رحمهالله مخلصا على ما ذكرناه فإن ما نقله لا يخلو من إجمال كما لا يخفى ثمّ إنّ المصنف رحمهالله لم يستوف جميع شقوق كلام الفاضل المذكور ومحتملاته فلا بأس ببسط الكلام فيما يرد عليه ليهتدي به المبتدئ ويستمدّ منه المنتهي إذ المرجوّ أن ينكشف به الحجاب عن وجه المرام وترتفع غياهب الإشكال عن الأفهام وإرخاء عنان الكلام والمبارزة مع فحول الأعلام وإن لم يكن من شأن هذا الكليل الفهم وقصير الباع إلاّ أنّي أثبت في هذه الأوراق ما خطر ببالي لعل النّاظر فيه يهتدي إلى سبيل الصّواب مع أنّ فيما ذكرناه توضيحا لما أورده المصنف رحمهالله مع زيادة أهملها في المقام فنقول يرد عليه أمران أحدهما أنّه إن أراد من دلالة الأخبار وقيام إجماع الشّيعة بل العامّة أيضا على كون المرجع هو الكتاب والسّنّة كونهما مرجعين في استنباط الأحكام الشّرعيّة على وجه الموضوعيّة بأن كان لاستنباط الأحكام منهما دخل في توجهها إلينا فهو متضح الفساد إذ اعتبارهما أنّما هو من باب المراثية وكونها طريقين إلى الواقع وإن أراد كونهما مرجعين من جهة كونهما طريقين إلى الأحكام الواقعيّة فهو حق إلا أنّ مقتضاه بعد انسداد باب العلم أو الظنّ المعتبر إلى معرفتهما هو الأخذ بكل أمارة أفادت الظنّ بالواقع سواء كانت تلك الأمارة ممّا ظن كونه كتابا أو سنّة أو الشهرة ونحوها فلا وجه حينئذ لتخصيص وجوب العمل بكل ما يظنّ بكونه كتابا أو سنّة وثانيهما أنّ ما ذكره من الانتقال بحكم العقل بعد انسداد باب العلم أو الظنّ المعتبر إلى معرفة الكتاب والسّنّة بأعيانهما إلى وجوب العمل بكل ما يظنّ بكونه منهما فاسد وتوضيح ذلك أنّ الكلام يقع تارة في العمل بما يظنّ بكونه كتابا وأخرى فيما يظنّ بكونه سنة أمّا الأوّل فإنّ مقتضاه أنّه إذا نأى مجتهد عن دار الإسلام وساقته سوائق القضاء إلى دار الكفر بحيث لم يتمكن من الرّجوع إلى الكتاب والسّنة المعلومين أو المظنونين بظن معتبر ولكنّه وجد كلمات ظن بكونها من الكتاب أو أخبره بذلك من يفيد قوله الظنّ يجب له العمل بما وجده أو أخبره المخبر ولا يجوز له التّعدّي إلى سائر الظّنون وإن تمكن منه وهو خلاف الإجماع لإفتائهم في محل الفرض بوجوب العمل بفتاوى العلماء ولو من الموتى وأمّا الثّاني فلا يخلو إمّا أن يريد بالسنة المظنونة السنة المصطلحة أعني قول المعصوم عليهالسلام أو فعله أو تقريره أو يريد بها ما هو حاك لها وهو الخبر والحديث كما يشير إليه دعواه الإجماع في طي بعض كلماته على جواز العمل بما في الكتب الأربعة وغيرها من الكتب المعتبرة وعلى الأوّل يرد عليه أنّ مقتضاه جواز العمل بالشهرة مثلا إذا فرض حصول الظنّ منها بورود خبر عن الإمام عليهالسلام على طبق حكم المشهور فلا يتم حينئذ ما ادعاه من قصر العمل بخصوص الأخبار وعدم جواز التّعدي إلى غيرها من الأمارات بل هو في الحقيقة عمل بمطلق الظنّ لا بالظنون الخاصّة كما هو المقصود في المقام وهذا حاصل ما أورده المصنف رحمهالله في المقام فإن قلت إن بين طريقة الفاضل المذكور وطريقة القائلين بالظّنون المطلقة بونا بعيدا كما استدركه المصنف رحمهالله بقوله نعم يخرج عن مقتضى إلخ لأنّه إنّما يعمل بالسّنّة المظنونة وإن كان الظنّ بها حاصلا من مثل الشّهرة والقائلون بالظنون المطلقة يعملون بكل ظنّ حصل من الأمارات وإن لم يستلزم الظنّ بورود السّنة عن الحجّة وما ادعاه المصنف ره من ندرة وجود هذا الفرض غير مجدّ في إثبات اتّحاد الطّريقين لأنّ وجود الثّمرة ولو نادرا كاف في إثبات تغايرهما قلت إنّ العمل بكل أمارة ليس من لوازم القول بالظّنون المطلقة لأن من القائلين بها من تمسّك بدليل الانسداد وزعم كون نتيجته مهملة فأخذ بالقدر المتيقّن منها وهي السّنة المظنونة ومع التّسليم فلا ريب أنّهم إنّما يعملون بكل ما أفاد الظنّ بالواقع ولا ريب أنّ الظنّ بالحكم الواقع يستلزم الظنّ بصدور الحكم الواقعي عن النّبي صلىاللهعليهوآله لأنّه قد بيّن جميع الأحكام حتّى أرش الخدش وإن بقي بعضها مخزونا عند أهل البيت عليهمالسلام كما تواترت به الأخبار فاللازم على طريقته أن يعمل بكلّ أمارة أفادت الظنّ بالواقع فلا يبقى حينئذ فرق بين الطّريقين ومن هنا يظهر ما في قبول المصنف رحمهالله نعم يخرج عن مقتضى هذا الدّليل إلى آخره وعلى الثّاني لا يخلو إمّا أن يريد بالخبر الحاكي ما كان مقطوع المطابقة للواقع أو ما كان مقطوع الصّدور عن الإمام عليهالسلام أو مطلقة سواء كان مقطوع المطابقة أو الصّدور أو مظنونهما فإن أراد أحد الأوّلين يرد عليه أوّلا أنّ مقتضاه كون المأمور به هو الأخذ بالسّنة بشرط حكاية الرّاوي لها إلينا وهذا ممّا لا محصّل له لعدم مدخليّة الحكاية في اعتبارها مع أنّه أشبه شيء بالأكل من القفاء لأنّ اعتبار الحكاية أنّما هو من جهة إيصالها ولو ظنّا إلى السّنة فالأولى حينئذ جعل المرجع نفس السّنة لا حكايتها وثانيا أنّه يلزم عليه أن يعتبر الظنّ بالسّنة
