فإن قلت قد أشار المصنف رحمهالله عند تقريب الاستدلال إلى خروج الأخبار الموافقة للأصل من محلّ النّزاع بقوله وإلاّ فالعلم بوجود مطلق الصّادر لا ينفع إلى آخره قلت ليس مقصوده منه بيان خروج الأخبار المذكورة من محل النّزاع بل بيان عدم ترتب ثمرة على الخلاف فيها فما ذكره هناك لا ينافي ما ما أورده عليه هنا من عدم نهوض الدّليل المذكور لاعتبار الأخبار المذكورة وممّا ذكرناه يظهر أيضا وجه عدم جواز صرف ظواهر الكتاب والسّنّة المعلومة بهذه الأخبار المظنونة الصّدور إذ ظواهر الكتاب والسّنة المعلومة مفيدة للعلم الشّرعي بمقتضياتها ولا سبيل لحكم العقل بوجوب الاحتياط بالعمل بتلك الأخبار بإزاء تلك الظواهر إذ وجوب الاحتياط أنّما هو حيث لا علم تفصيلا وجدانا أو شرعا ومعه لا محلّ لوجوبه فكيف تصرف هذه الظّواهر بتلك الأخبار وسيجيء توضيح ذلك في كلام المصنف رحمهالله عند التّعرّض لبيان تنبيهات دليل الانسداد بل لا يجوز رفع اليد عن الاحتياط اللاّزم في القضايا الشّخصيّة كما لو قلنا بوجوبه عند الشّكّ في الأجزاء والشّرائط بالخبر المظنون الصّدور إذ جواز العمل بالظنّ لأجل عدم إمكان الاحتياط الكلي أو تعسّره لا يوجب رفع اليد عن الاحتياط اللاّزم في خصوص الواقعة (قوله) الموجود في الكتب إلخ قد شرط الشّرطين في مبحث بيان شرائط العمل بخبر الواحد لا في عنوان المبحث هنا(قوله) بين جميع الأخبار إلخ الأولى أن يدعى العلم الإجمالي أولا بين جميع الأخبار وبين سائر الأمارات المجرّدة عنها كما ادعاه في الجواب عن الدّليل الأوّل ثم بعد التنزل بين جميع الأخبار ومقتضى الأوّل هو العمل بمطلق الظنّ ومقتضى الثّاني هو العمل بالظنّ الخبري مطلقا سواء كان في الكتب المعتمدة أم في غيرها وسواء كان معمولا به أم لا فلا وجه لما اشترطه إلاّ ما أشار إليه المصنف رحمهالله في آخر كلامه ثمّ إنّه لما جرت حكاية الأصول الضّرورية في كلام المستدلّ فلا بأس بتحقيق الكلام فيها فنقول أنّ أسامي العبادات والمعاملات مثل الصّلاة والزكاة والحجّ والنّكاح والبيع ونحوها لا تخلو إمّا أن تكون موضوعة للصّحيحة أو للأعم وعلى الأوّل تكون تلك الألفاظ مجملة بالذّات وعلى الثّاني لا يخلو إمّا أن نقول ببقائها على إطلاقها وكونها مبيّنة بالذّات وإمّا أن نقول بعروض الإجمال لها إمّا لأجل كثرة ورود التّقييدات عليها أو لورودها لبيان حكم آخر مثل بيان تشريع أصل العبادات والمعاملات كما تقرّر في محلّه وعلى تقدير كونها مجملة بالذّات أو بالعرض لا يخلو إمّا أن نقول إنّ مقتضى الأصل عند الشّكّ في الأجزاء والشّرائط هو الاحتياط بالإتيان بكلّ ما يحتمل الجزئيّة أو الشّرطيّة أو نقول بكون مقتضى الأصل هي البراءة عن المشكوك فيه فعلى الأوّل لا وجه للأخذ في بيان الأجزاء والشّرائط بالأخبار الواردة في الكتب المعتبرة لما عرفت من أنّ مقتضى الأصل على القول بالاحتياط عند الشّكّ في الأجزاء والشّرائط هو الأخذ بكل ما يحتمل الجزئيّة والشّرطيّة سواء كان منشأ الشّبهة ورود ذلك في خبر معتبر أم غير معتبر أم قيام الشّهرة مثلا عليه وكذلك لا وجه للأخذ في مقام نفي جزئيّة المشكوك فيه أو شرطيته بالأخبار النّافية لهما لما أسلفناه عند شرح ما أورده ثانيا على الدّليل الأوّل من عدم نهوض الأخبار المعتبرة من جهة العلم الإجمالي لرفع اليد عن الاحتياط اللاّزم في الوقائع الشّخصيّة وعلى الثّاني وكذا على القول ببقاء تلك الألفاظ على إطلاقها وعدم عروض الإجمال لها لا بد من الأخذ بكلّ أمارة يظنّ منها الحكم الواقعي سواء كانت هي الخبر المعتبر أم غير المعتبر أم أمارة أخرى غيرهما من الشّهرة ونحوها لما عرفت آنفا من عدم انحصار أطراف العلم الإجمالي بخصوص الأخبار المودعة في الكتب المعتمدة لأنّه مع تسليم عدم تحقّق علم إجمالي مستقلّ في خصوص موارد سائر الأمارات سيّما مع ضميمة أخبار الكتب غير المعتمدة إليها فلا أقل من دخولها في أطراف العلم الإجمالي كما وضحه المصنف رحمهالله فيما أورده على الدّليل الأوّل وحينئذ فإن كان اللاّزم من العلم الإجمالي لأجل عدم إمكان الاحتياط الكلّي أو تعسّره هو العمل بكل أمارة مظنونة ممّا يشمله أطراف العلم الإجمالي المذكور يجب العمل بسائر الأمارات الظنّيّة أيضا وإن كان اللازم منه هو العمل بمقدار من الأمارات يرتفع العلم الإجمالي بعد العمل به يجب الاقتصار في العمل بالأخبار المودعة في الكتب المعتمدة على مقدار يرتفع به العلم الإجمالي وحينئذ فلا وجه للعمل بالمكاتيب والمرسلات والمضمرات منها كما صرّح به عند بيان شرائط العمل بخبر الواحد لعدم بقاء العلم الإجمالي فيها بعد العمل بغيرها ودعوى خلافه مكابرة للوجدان ومصادمة للعيان (قوله) وإلا لما أمكن إلخ يعني أنّ العلم الإجمالي إن لم يحصل في جميع الأخبار لا يمكن بعد إخراج بعض هذه الطّائفة الخاصّة وضمّ سائر الأخبار الموجودة في الكتب غير المعتمدة إلى الباقية أن يدعي العلم الإجمالي في مجموع الباقية والمنضمّة إليها وهو خلاف الإنصاف (قوله) وحينئذ إلخ أي حين كون مورد العلم الإجمالي جميع الأخبار(قوله) وأمّا العمل إلخ بعد عدم إمكان الاحتياط الكلّي أو تعسّره أو قيام دليل آخر على عدم وجوبه من إجماع أو غيره (قوله) بعض المحقّقين إلخ هو الفاضل البارع المحقّق الشّيخ محمّد تقي في هداية المسترشدين ولا يخفى أنّ المصنف رحمهالله قد لخص كلامه في نهاية الاختصار فلا بأس بنقل موضع الحاجة من كلامه بعين ألفاظه ليستمدّ منه لفهم ما لخّصه المصنف رحمهالله فنقول إنّه قال إنّه قد دلت الأخبار القطعيّة والإجماع المعلوم من الشّيعة على وجوب الرّجوع إلى الكتاب والسّنّة بل ذلك ممّا اتفقت عليه الأمّة وإن وقع هناك خلاف بين الخاصّة والعامّة في موضوع السّنة وذلك ممّا لا ربط له بالمقام وحينئذ نقول إن أمكن حصول العلم بالحكم الواقعي من الرّجوع إليها في الغالب تعيّن الرّجوع إليهما على الوجه المذكور حملا لما دلّ على الرّجوع إليهما على ذلك وإن لم يحصل ذلك بحسب الغالب وكان هناك طريق في كيفيّة الرّجوع إليهما تعيّن الأخذ به وكان بمنزلة الوجه الأوّل وإن انسدّ سبيل العلم إليه أيضا وكان هناك طريق ظنّي في كيفيّة الرّجوع إليهما لزم الانتقال إليه والأخذ بمقتضاه وإن لم يفد الظّن بالواقع تنزّلا من العلم إلى الظنّ مع عدم المناص عن العمل وإلاّ لزم الأخذ بهما والرّجوع إليهما على وجه يظنّ منهما بالحكم على أيّ وجه
