لأنّا نقول : أولاً جريان استصحاب الليل بنحو الشبهة الموضوعية فلا إشكال في جريانه بمعنى انّا نستصحب الليل عند الشكّ في طلوع الفجر ولكنّ جريانه بنحو الشبهة الحكمية فلا لأنّ الشبهة حينئذٍ مفهومية ولا شكّ في الخارج حيث إنّ طلوع الفجر قد حصل وتبيّنه لم يحصل بعدُ.
وأدلّة الاستصحاب ناظرة إلى الخارج لا إلى المفهوم ولا يقين من بدو الأمر بأنّ الليل إلى طلوع الفجر أو إلى تبين الفجر ، بل نعلم انّ الليل إن كان إلى طلوع الفجر فقد حصل وإن كان إلى تبيّن الفجر فلم يحصل بعدُ ، فلا شك في متيقن سابق(١).
وثانياً : إنّ الحكم في الآية لم يترتّب على عنوان الليل أو عدمه بل ترتّب جواز الأكل والشرب مغيّا بطلوع الفجر أو تبيّنه بمعنى انّ غاية الأكل والشرب امّا طلوع الفجر أو تبيّنه.
وثالثاً : انّ استصحاب الليل انّ كان لإثبات الليل فلا يكون هو موضوع الدليل وإن كان لإثبات انّ الغاية نفس التبيّن لا طلوع الفجر فهو أصل مثبت.
وأمّا الاستصحاب الحكمي في الشبهة الحكمية فلا إشكال في جريانه بمعنى إنا
__________________
(١). فليس لنا يقين وشكّ تعلّقا بشيء واحد حتّى نُجرى الاستصحاب فيه بل لنا يقينان : يقين بطلوع الفجر ويقين بعدم تبيّنه ، فأيّ موضوع يشكّ في بقائه بعد العلم بحدوثه حتّى يكون مجرى للاستصحاب فإذا لا شكّ لنا إلّا في مفهوم اللفظ ومن الظاهر انّه لا معنى لجريان الاستصحاب فيه.
قال صاحب مصباح الاصول تقريراً لبحث آية الله العظمى الخوئي : «ونظير المقام ما إذا شككنا في معنى العدالة وأنها عبارة عن ترك الكبائر فقط أو هو مع ترك الصغائر ، فإذا كان زيد عادلاً يقيناً فارتكب صغيرة نشك في بقاء عدالته للشبهة المفهوميّة ، فلا معنى لجريان الاستصحاب الموضوعي لعدم الشكّ في شيء من الموضوع حتّى ليجرى فيه الاستصحاب ، فإنّ ارتكابه الصغيرة معلوم وارتكابه الكبيرة معلوم الانتفاء فليس هنا شيء يشكّ في بقائه ليجري فيه الاستصحاب وقد صرّح الشيخ رحمهالله في بعض تحقيقاته بعدم جريان الاستصحاب الموضوعي في موارد الشبهة المفهومية» (مصباح الاصول ، ج ٣ ، ص ١٣٢).
