صاحب كتاب) مصباح الفقاهة (، وهو رجل عظيم جدّاً وفقيه جليل ، فإنّه يصرّح بأنّ قاعدة) لا حرج (إنّما ترفع الإلزام فقط والتكليف ، وأمّا الصحّة والمشروعيّة والمقرّبية فلا تزال محفوظة ، والعبادة التي تتحقّق عن حرج تتّصف بالصحّة(١).
والمرحوم السيّد صاحب العروة يصرّح بهذا المعنى في كتاب العروة في مسألة الوضوء والغسل(٢) ، وطبعاً فإنّه يفرّق بين الوضوء والغسل الضرريّان ، والوضوء والغسل الحرجيّان ، ويقول : بأنّ الوضوء والغسل الضرريّين باطلان ، وأمّا الوضوء والغسل الحرجيان فيقعان صحيحان وإن كان يوجد فيهما احتياط ، إلّا انّه احتياط استحبابي ، فلو ارتكب شخص الوضوء والغسل الحرجيين ، فعليه أن يحتاط ويتيمّم بعدهما ، ولا يكتفي بالوضوء والغسل الحرجيين ، فقد طرح الاحتياط بشكل استحبابي.
ومن العلماء الذين حكموا بصحّة العبادة المرحوم البجنوردي قدسسره في كتابه) القواعد الفقهيّة (فإنّه يُصرّ أيضاً على هذا المعنى وهو أنّ العبادة الحرجيّة تتصف بالصحّة ، وأنّ قاعدة) لا حرج (لا تنفي الصحّة ولا تنفي المشروعيّة (٣).
إذن نحن أمام هاتين الطائفتين ، وكلاهما من العلماء الكبار والفقهاء الشامخين ، حكم فريق ببطلان العبادة الحرجيّة ، وحكم الفريق الآخر بصحّتها. وعلينا أوّلاً أن ننظر إجمالاً إلى مفاد قاعدة) لا حرج (، وبعد ذلك نرى ما هي الطرق التي أرادوا استفادة البطلان من خلالها ، ثمّ نرى هل أنّ هذه الطرق صحيحة وبإمكان الإنسان أن يصل إلى بطلان العبادة الحرجيّة من خلالها ، أو لا؟
نقول مقدّمةً : إنّ مفاد قاعدة) لا حرج (كما اتّضح من البحوث المتقدّمة ،
__________________
(١). مصباح الفقيه ١ : ٤٧٧.
(٢). العروة الوثقى ١ : ١٥١.
(٣). القواعد الفقهيّة ١ : ٢٦١.
