بلحاظ وجود كلمة) على (في الآية وبلحاظ كون كلمة) حرج (صفة للتكليف بالنحو الذي قلناه ، هو أنّ الله لم يجعل عليكم تكليفاً إلزاميّاً حرجيّاً ، فإذن قاعدة) لا حرج (تنفي الإلزام والوجوب والتكليف الحرجي.
ومن جهة اخرى فإنّ القاعدة كما يستفاد من الآية نفسها ، ويستفاد أيضاً من الروايات واردة في مقام الامتنان ، ومنشأ هذه القاعدة ومستندها هي المنّة التي تفضّل بها الله تعالى على الامّة الإسلاميّة ، وعندها إذا جعلنا هذين الاثنين إلى جانب بعضهما ، فمن جهة نشاهد ظهور) لا حرج (في نفي الإلزام والوجوب ، ومن جهة اخرى فإنّ منشأ هذه القاعدة عبارة عن الامتنان على الامّة ، فما ذا يقتضي الامتنان على الامّة والمسلمين؟
إنّ الامتنان يقتضي أن نقول : إنّ الصوم الحرجي غير واجب ، ولا نجعلك أيّها المسلم تقع في حرج من ناحية التكليف بالصوم ، فلا يجب عليك الصوم ، ولا يقتضي أنّ هذا المسلم المسكين إذا صام من شدّة الورع والاحتياط والتعبّد أن يكون عمله هذا باطلاً ، إذ أنّ بطلان هذا العمل لا يتناسب مع الامتنان ، إنّ الامتنان يجري فقط في حدود نفي اللزوم ، أمّا أنّه علاوة على نفي اللزوم يقوم أيضاً بنفي المشروعية والمقرّبية والصحّة ، فإنّه لا يتناسب أصلاً مع المنّة.
والآن لا بدّ من الالتفات إلى الأدلّة التي ذكرها هؤلاء ، فإذا لم تكن هذه الأدلّة سليمة وبقينا نحن ومفاد (ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) وأنّه وارد في مقام الامتنان على الامّة ، فلازم ذلك هو أنّ العبادة الحرجيّة تقع صحيحة ، وفيها مشروعيّة ومقرّبية ، خاصّة وقد سمعت) أنّ أفضل الأعمال أحمزها (فيستبعد أنّ الشخص الذي يصوم بشكل اعتيادي يكون صومه صحيحاً ، وأمّا الذي يأتي ويتحمّل الحرج فيقال له : إنّ صومك باطل ، إنّه مستبعد جدّاً ، علاوة على أنّه خلاف ظاهر الدليل ، إلّا أنّ هذا ليس كافياً ، فلا بدّ لنا أوّلاً أن نلاحظ أدلّة القائلين
