كأنه سبحانه يقول : يا نوح ، احمل ما هو مفارق لك ، وهارب عنك ؛ لترى الخلق حسن خلقك ؛ فيستدلون بحسن خلقك على لطيف صنعى ؛ أنا لما ذكرنى الموفون الملازمون ببابى ، والخواصّ من عبادى ـ هديتهم ، وأنعمت عليهم ؛ هذه معاملتى معهم فى دار المحنة ، فكيف معاملتى معهم فى دار النعمة؟ إنك أدخلت الخلائق فى سفينتك ولك إليها حاجة ؛ فأى عجب لو أدخلت جميع العصاة فى الجنة ولا حاجة لى فيها!
(فَبُعْداً)(١) : مصدر وضع موضع الفعل ، بمعنى بعدوا ؛ أى هلكوا ؛ والعامل فيه مضمر لا يظهر.
(فارَ التَّنُّورُ)(٢) : يعنى بالماء ؛ ولمّا أخبرته امرأته بوجود الماء فيه ركب هو وأهله السفينة ، وكان هذا التّنور لآدم ، فخلص إلى نوح. واختلف فى موضعه ؛ والصحيح أنه كان فى مسجد الكوفة ، وقيل بدمشق.
(فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ)(٣) : الضمير يعود على ابن نوح ؛ لمّا لم يسمع قول أبيه أغرقه الله ببوله ؛ وذلك أنه اتخذ قارورة وأدخل فيها نفسه لظنّه أنه ينجو ، فأظهر الله موج القدرة ، وحال بينه وبين ولده ؛ وكذلك الكافر فى خروجه من الدنيا يظهر له موج الشقاوة ، فيحول بينه وبين ما يشتهيه من قبول العذر والإقرار بالوحدانية ؛ كما قال تعالى (٤) : (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ) ؛ كذلك العبد العاصى يدعو ربّه بالندامة ، فيظهر له موج الرحمة ؛ فيحول بين معرفته ومعصيته ، وتبقى معرفته ؛ وذلك قوله تعالى (٥) : (يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ).
__________________
(١) المؤمنون : ٤١
(٢) المؤمنون : ٢٧
(٣) هود : ٤٣
(٤) سبأ : ٥٤
(٥) الأنفال : ٢٤
![معترك الأقران في إعجاز القرآن [ ج ٣ ] معترك الأقران في إعجاز القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4333_mutarak-alaqran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
