فإن قلت : ما فائدة تقديم الظالم؟ وهلّا جاءت الآية مثل الحديث؟
فالجواب : عادة المخلوق يقدّم الأفضل ، فخاطبهم صلىاللهعليهوسلم على عوائدهم ، ألا ترى قوله : زر غبّا تزدد حبّا. وقال الله : ((١) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ). ويقولون : لا تعير فتبلى. وقول الله : ((٢) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ) : ويقولون : أحسن إلى من أحسن إليك.
ولما كان السابق قريبا ، والظالم بعيد ، والقريب يحتمل ما لا يحتمل البعيد ، والظالم منكسر الرأس من حياء جرمه ومعصيته ، فلما نكس رأسه رفعه الله كما أنّ الجودىّ وطور زيتا لمّا لم يرفعا رءوسهما أكرمهما الله كما قدمنا ، والظالم ضعيف ، والسابق قوىّ ، والعادة فى القافلة تقديم الضعيف والرجالة ، ألا تراه صلىاللهعليهوسلم كان يقدم الضعفة إلى منى قبل الفجر ، فقدم الظالم لئلا يفتضح ولا يعاب ، وأيضا الظالم غير مدع والسابق مدع ، ولو قدم السّابق وأخّر الظالم لبان منه العدل ، والظالم رفع قصته إلى الله فوقع له توقع الرحمة فى قوله تعالى : ((٣) قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ) ، وللمقتصد توقع التوبة فى قوله تعالى : ((٤) آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً). وللسابق توقّع الرضوان ، قال تعالى : ((٥) وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ).
فالمقامات على ثلاثة أسماء : الله الرّحمن الرّحيم ، فانظر كيف اصطفاهم كما قال فى إبراهيم : ((٦) وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ).
__________________
(١) الحجر : ٩٩
(٢) الملك : ٩١١
(٣) الزمر : ٥٣
(٤) التوبة : ١٠٢
(٥) التوبة : ١٠٠
(٦) البقرة : ١٣٠
![معترك الأقران في إعجاز القرآن [ ج ٣ ] معترك الأقران في إعجاز القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4333_mutarak-alaqran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
