فإن قلت : ما حكمة زيادة آية براءة (١) على آية الصفّ (٢) ، واختلاف العبارتين؟
والجواب : ناسب زيادة براءة ما ورد من الطول المحكىّ فيها من قول الطائفتين من اليهود والنصارى : (وَقالَتِ (٣) الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ ، وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ). وأما آية الصف فمقابل بها قول عيسى عليهالسلام :
((٤) يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً) ، ثم قال تعالى : (فَلَمَّا (٥) جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ) ، وليس هذا فى الطول وعدّة الكلم كالمحكىّ فى سورة براءة ؛ ألا ترى أنّ الواقع فى براءة ست كلمات ، وفى الصف ثلاث كلمات ، والقائل طائفة واحدة. وهذا مراعى.
(يَعْلَمُ (٦) إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ) : ضمير الجماعة يعود على المنافقين الذين يحلفون : (لَوِ (٧) اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ) ؛ فأخبر الله رسوله بكذبهم ، وأنهم كانوا يستطيعون الخروج ، ولكن تركوه كفرا ونفاقا ؛ وهذا كلّه فى الجملة لا بتعيّن شخص ، ولو عيّن لقتل بالشرع. وانظر كيف عبّر هنا بالعلم بخلاف الآية بعدها. وفى الحشر والمنافقين لأنّ الاستطاعة وعدمها حكم لا يطّلع عليه فى الغالب ، بل ينفرد كلّ بحاله فى ذلك ، إلا أن يعلم ذلك بقرينة ، فقول المنافقين فى إخبار الله تعالى عنهم : (لَوِ (٨) اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ) غير مشاهد من ظاهرهم ، فقد كان يمكن صدقهم أو صدق بعضهم لو لا أنّه سبحانه أعلم بحالهم ، فناسب التعين بالعلم.
(يركمه (٩) جَمِيعاً) ؛ أى يضمّه ويجعل بعضه فوق بعض.
__________________
(١) التوبة : ٣٠
(٢) الصف : ٦
(٣) التوبة : ٣٠
(٤) الصف : ٦
(٥) الصف : ٦
(٦) التوبة : ٤٢
(٧) الصف : ٦
(٨) الصف : ٦
(٩) الأنفال : ٣٧
![معترك الأقران في إعجاز القرآن [ ج ٣ ] معترك الأقران في إعجاز القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4333_mutarak-alaqran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
